المسار ميديا المسار ميديا
recent

اخر المواضيع

recent
recent
جاري التحميل ...
recent

ضرورة استعادة الحركة الوطنية





 عدلي صادق
ترتسم في هذه الحقبة من تاريخ بلادنا والمشرق العربي، معطيات جديدة للصراع وللقضية الفلسطينية، لعل أبرزها، انحسار دور التيار المدني، الوطني والقومي، والمد الغامر للتيار الأصولي في الفضاء العربي وعند عدونا القومي. وكان من بين أحد أهم أسباب التقدم الكبير للأصولية عندنا، هو ما شهدته إسرائيل، من تراجع لأسلاف التيار الزمني الذي نجح في تأسيس الدولة، وقادها أثناء كل حروبها، وتصاعد التيار أصولي، الذي فعل ولا زال يفعل كب ما من شأنه إخراج الصراع من سياق السياسة حتى في منحاها الإمبريالي، واعادتها الى زمن الهمجية المسعورن، على النحو الذي يجسده سلوك المستوطنين اليهود، الذين يؤسسون لاستمرار الصراع الى يوم قيام الساعة.
النخب السياسية العربية الحاكمة، وتلك التي في أطراف الحكم وفي ظلاله؛ لم تعد قادرة على مد الجسور مع كتل شعبية هائمة ومجروحة، ما أتاح للأصوليين المتطرفين التوغل ونقل مشروعهم العدمي من الأقبية الى الساحات العامة ميادين القتال
مرة أخرى، ننوه الى إحدى أهم الضرورات، وهي إعادة بناء الوطنيات التي اهترأت أو أغرقتها مفاسد السياسة ومفاسد الحكم. وإن كانت المسألة تتعلق بفلسطين، التي لم تنجز استقلالها؛ اصبح لزاماً أن تعاد الحيوية للحركة الوطنية، وهذا لا يمكن أن يكون مع بقاء ذات الشروط التي يقوم عليها الحكم في رام الله، وبقاء نفسه منهجيات الحياة والسلوك واللغة السياسية!  
وليس سراً أن الأصوليات الناشطة، في المشرق العربي، قد استفادت من أوساط تنكرت لفكرة الدولة المدنية وخانتها بتجاهل شروطنها الضامنة للعدالة وللمواطنة المتساوية والحقوق السياسية والإنسانية. كما إن  بعض عناصر هذه الأوساط، كانت ترفد الأصوليين بما يساعدهم على تلبية أكلاف محاولة فرض مشروعهم، إما تكفيراً عن ذنوب، في محاولات ساذجة لا تستند الى الشرع الصحيح، للتقرب الى الله، أو تنفيساً لأحقاد، أو ضلوعاً في مؤامرة لتفتيت المشرق العربي. وفي سياق هذه الأصولية المتطرفة، طُرحت معالم وشروط للأسلمة الجديدة، التي رأت حتى في مشروع "الإخوان" انحرافاً فاضحاً واختارت ما هو أكثر منه تطوفاً وتمادت في الغلو، على النحو الذي أوصل الأوطان الى ما هي عليه اليوم من كوارث.
المحتلون عندما بدأوا هجمتهم على فلسطين، لم يكونوا يهوداً متدينين، وإنما كانوا علمانيين استعانوا بالديانة لتحفير المواطنين اليهود في البلدان متدنية التطور والنمو، للهجرة الى فلسطين. وكان مشروعهم إمبريالياً بامتياز، وإن اتخذ لنفسه ذريعة وواجهة دينية. هذا المشروع، في واقع إسرائيل التي تعربد اليوم، بات يستهتر بالإمبريالية نفسها، وبالعلمانيين، فأحل "اليهودية المتطرفة" محل "الديموقراطية" المزعومة. ومثلما يكون لكل هؤلاء، في كل مرحلة، من يساعدهم  فقد كانت المساندة البريطانية لهم، من العشرينيات حتى أواخر الأربعينيات، أكثر من كافية للاستحواذ على الأرض وضمان برس العرب وارتهانهم للمستعمر!
مع استمرار ابتعاد الحق الفلسطيني عن الاستعادة،  وفي موازاة الهوان العربي؛ انفتحت الشهية الدينية، لشرائح واسعة في المجتمع العربي، على المزيد من التطرف، ليس من أجل مواجهة نقيضها اليهودي في فلسطين، وإنما لكي تنقضَّ على نقيضها الأيديولوجي في كل بلد، حتى وإن كان هذا النقيض إسلامياً
أما بالنسبة لفلسطين، فإن الداعشية اليهودية، ألقت بظلالها القوية على المجتمع الفلسطيني الذي لا يملك وسائل وفرصة انتاج داعشيته الخاصة. لكن أسوأ ما أوقعته في المجتمع الفلسطيني، هو تشتيت خيارات الكتلة البشرية، فلم يعد بمقدور الوطنيين، جمع كتلتهم البشرية، وأخذها الى وجهة محددة، بل لم يعد بمقدورهم إقناعها بالتوصل الى إجماع معقول، يؤمن الحد الأدنى من التوافق بين ألوان الطيف. وفي هذا الخضم، ينشأ غضب الأبناء الذين ولدوا وعاشوا في ظروف القهر والعربدة الاحتلالية. هذا الغضب، ينعكس في عمليات متناثرة وربما متباعدة زمنياً، بالطعن أو بالدهس،  وتُعرف أسباباها ودوافعها لكل منصف،  ويضيع تأثيرها السياسي في حال بؤس النظام السياسي الفلسطيني وخوائه وتنكره لدماء الشهداء!
عندما توسلت الصهيونية "أرض الميعاد" كانت تتمرد على الدين اليهودي نفسه. وبعد نحو نصف القرن، من قيامها في فلسطين، بدأت إسرائيل في التمرد على العلمانية، وأحلّت اليهودية الأصولية منهجاً متحرراً من كل منطق تاريخي أو سياسي. أما الحركة الوطنية الفلسطينية، التي بدأت ذات واجهة إسلامية وجهادية، فقد أخذها فحواها الى مقاربات سياسية أحبطتها الصهيونية. وانطلقت اسلاموية أصولية جديدة في الإقليم، بلا بوصلة، مكنت الولايات المتحدة، وإسرائيل تالياً، من التشارك مع العرب والفرس في الحرب عليها، لتصبح فلسطين بين شقيْ الرحى. ولعل هذا ما يجعل من الضرروة الملحة، استعادة الحركة الوطنية الفلسطينية، كخيار لا مناص منه!

التعليقات