المسار ميديا المسار ميديا
recent

اخر المواضيع

recent
recent
جاري التحميل ...
recent

الممزوجات الكردية ... طفولة ضائعة


السيناريست والشاعر: محمود عيسى

كيف أسوق الكلمات إليكم، وقد طلتها ينابيع الدماء؟؟
سكين يا أمي يحز عنقي وما زلت أصرخ، أنادي على لعبتي؛ تجيبني الحرب بالدعاء..
أرسم خارطتي الجميلة، بحجار منزلنا المهدم، أُلونها بألوان السماء، بمسحوق البارود وتلك الدماء،
 وما زلت أمارس طقوس طفولتي، حيث أنني "أحجل" بقنبلة موقوتة، ستلعن طفولتي يوماً ما، يا أمي سرقوا الفرحة من وجنتي، وألبسوني ذاك الرداء الأسود الملطخ بالدم.. يا أمي قد أضحيت شاعراً أرثي ما يمر به خلاني والأصدقاء..
سكبت جراحي وقلبي خزام*** وروحي أبية تهوى الضرام
 دموع العين باتت دماء *** سنون العمر يهواها الحسام
أجابتني الغالية وقد بللت خدها الوردي بالدموع:
- وين رايح يما؟؟ وليش لافف حالك بالحطة!! الدنيا شوب يما..
- يما فلسطين بتنادي رجالها..
- شو يعني يما؟؟! لساتك صغير، بجاهي عليك لا تطلع.
- يما الرجال عمره ما كان بالعمر..
- والله ماني عارفة شو أقلك يما..
- لا تحكي شي..
 - روح يا أحلى عريس
راح البطل ليدافع عن كرامته، إيمانه هو سلاحه، لاقاه العدا، وحملوه مثل الكبش، وسنوها للسكين، وهاتي دموعك يا عين..
- يما دخلك يا غالية، من ثوبك خيطيلي الكفن..
 - يما دخلك يا غالية، من دمي شعلي سراج الحرية..
اجتمعنا عند أم الشهيد وقلنا..
كلنا ولادك ومضينا..
سمعتنا ومضت تنادي بقلبها:
 ولدي.. ولدي.. لكنا ما سمعناها!!
لم يكن مروري بين القبور في ذاك العيد عابراً، حتى صدمني ذاك الصغير الذي يخاطب قبر صغيرنا الذي لا زال "أخضر" أخذت أتخطى القبور، وأقترب أكثر وأكثر.. حتى بدت لي كلماته جلية مسموعة، كان يقول:
يا راحلاً .. ما عاد لي روح هنا
ما عاد لي عطر هنا
ما عاد لي إلاك في قلبي قمر
كل مساء بيننا يحلو السمر
تشدو كالمطر
ليست دموعاً بل وقر
في أضلعي تاه البشر
سؤالهم أبكى القدر
 في أضلعي لاقوا ضريحاً يستتر
هاتوا أغانيكم فنايي قد كسر
صوتي احتضر
الضوء من عيني اندثر
سيقت لأرضي أغنيات من قفر
ما عاد لي وردٌ ولا حتى شجر
ما عاد لي أرضٌ ولا حتى حجر
هل عدت يا أهزوجتي لحن القدر
..
المشهد الأخير/ خارجي نهار
 الشمس عمودية، وأنا ما زلت أسير بين القبور، بثيابي المرقعة والمغبرة، والدخان يتصاعد من حولي خارج المقبرة، وأصوات الانفجارات وأعمدة الدخان، وأزيز الطائرات تملأ الجو من حولي
وأنا أحدث نفسي وأصرخ..
يارب رحمتك
 يا رب نصرك
قطع
 تتعثر أقدامي بأحد القبور المجاورة لشجرة زيتون في منتصف المقبرة، فأسقط على حفة قبر محفور، فيبدأ صوتي في العلو صارخاً من الوجع..
 آاااه.. آاااخ
قطع
 أتوقف عن الصراخ، حالما لفت انتباهي شيء وضع داخل القبر، فأقف متحاملاً على نفسي الألم وأنا أتكتك الغبار عن ثيابي وأنزل لأرى ما في القبر..
 وإذ به كتاب وعلم، وقفت قليلاً ثم رفعت العلم بحذر، كان القبر خاوياً، نفضت الغبار عن الكتاب وبدأت أقرأ..
 ..
في ظل قصيدة، يسكن الوطن
على خد وردة، يمارس الوطن عشقه
 على صدر الجنة، يغفو الوطن..
يا لله لم أستطع القراءة أكثر، فأخذت الكتاب إلى صدري ورفعت علمي المكسو بلون الدم وخضار الأرض، وسواد العيش، وبياض الثلج.. وأنا أعي تماماً أن هذا القبر سيحتضنني ذات يوم!! 

التعليقات