المسار ميديا المسار ميديا
recent

اخر المواضيع

recent
recent
جاري التحميل ...
recent

عودة من الجنة "الجزء الثاني" محمود عيسى




لطفاً عزيزي القارئ أنت لا تقرأ سرداً لبيكاسو الحروف، لا ولا حتى لدان براون أو أجاثا كريستي، بل إنك تقرأ لكاتب مغمور في بحر الحروف، إن شئت أكمل وإن أبيت فأنت الخاسر..

عودة من الجنة "الجزء الثاني"..

أقسم بأن يزرع الجوري في كل منزل عانقته الحرب، كانت رصاصاته تلك البذور التي طالما اغتسلت بعرق يده، وكما كل صباح حمل عتاده الوردي، وراح يجول بين شوارع المخيم المدمرة، وإذ بجورية على هيئة ملاك، بشعر كستنائي تخللته عقود ياسمين مجدلة، وعيون لازوردية، تأسر من يراها، فانتفضت البذور من يده مقبلة التراب من بين قدميه في وهلة غياب عن الواقع، كانت لتكتمل حكايتهما لولا تلك الجنازة التي سرقت واقعهما، فقد رحل مع المشيعين دون أن يتفوه بأي كلمة البتة، تاركاً تلك الجورية أسيرة لصمتها..
مرت الدقائق على انتظارها دون أي جدوى، فما كان لها أن تنتظر أكثر، فغادرت المكان في حالة يأس طبعت الحيرة في صفحة وجهها البيضاء، فباتت تطالع اللا شيء وتُدور عجلة الذاكرة لذاك الموقف القصير الذي علق في مصفاة روحها للأبد، مرت الدقائق وهي تعد ثوانيها، حتى أشرقت الشمس واحتضنت الأرض كلها، حتى باتت تركض إلى ذات المكان حيث التقت عيناها بذاك الكنز، نظرت مطولاً.. لكنها لم تجد إلا ركام وركام، اقتربت من مكان وقوفه، وإذ بها تجد جورية ناضجة، تضوع بعبير يخطف الأنوف، فطأطأت رأسها وقطفت تلك الوردة، لكن المفاجأة كانت صاعقة..
جنازة أخرى تمر من ذات المكان، وقفت في حالة ذهول كركبت جسدها، ثم صعدت على حجر قذفته الحرب على مقربة منها، وبدأت تنظر إلى ذاك الوجه الملائكي، الذي غطته كوفية، وعلم..
يا الله!
لقد كان هو..
أمطرت بلورات المسكينة بالدموع، رغم أنها لا تعرف إلا عيونه، تلك العيون التي نسجت في أحشاء ذاكرتها حلم جميل ستقتات عليه فيم تبقى لها من عمر..
انتظرت كثيراً حتى خارت أقدامها وانهارت، فلم يتوقف شلال دموعها إلا بمصادفة بعثت في قلبها نسمة مسحت الحزن عن دفتر قلبها، كانت جورية تضوع برائحته، فأخذت تستنشق وتبعث بالآهات حتى وجدت نفسها وحيدة في ذاك المكان بعد أن أسدل الليل ستائره فبدت ألوان الحرب ترسم حكاويها في لوحة السماء فراحت تركض وتركض، تقفز بين الجثث والحجارة، حتى وصلت المنزل أخيراً ، ولكن كانت تنتظرها وجبة ساخنة من الشتائم..
فها والدها، أمها وشقيقها الأكبر في الانتظار، وقبل أن ترد السلام، أو حتى تحية المساء لاقت ضربة عانقت خدها الأيمن، ذاك الخد الذي طالما تلون بالخجل..
لم تستفق من هول الصدمة حتى باتت مذنبة وشيطانة، الصمت ما زال يخيط لسانها، والذهول بات ينحت في جسدها، ذهول لم يستمر طويلاً، فصفعة أخيها الأكبر جرحت قلبها، لم تكن ضربة بسكين.. لا، ولم تكن رصاصة عبرت جسدها بصمت؛ بل كانت كلمة، وأي كلمة تلك..
لقد كانت اشهاراً بتزويجها من ابن عمها أدهم.. يا الله..
اسودت الدنيا في وجهها، فباتت تومئ لقلبها: هـــي أنت، توقف أيها اللعين..
ذاك العنيد أبى وأصر على الحياة، مضت بضع لحظات حتى تجمدت الدموع في عيونها، فراحت تجول في بناة أفكارها "المغبشة"، فتارة تلعن الرجال، وتارة تلعن حظها الأحمق، ففي كل حياتها لم يعجبها رجل قط، وحينما رسم القدر أحدهم لعب حظها الأحمق دوره مجدداً..
ما هي إلا ثوانِ حتى اغرورقت وسادة ياسمين بالدموع، دموع صلبت في جفونها، والتي لم تجد إلا النوم وسيلة للهروب من واقعها المشئوم، فالحرب ما زالت تركب المخيم، وعريسها تبارك الله!
شارب مفتول، هندام سخيف، عقل ضارب، نوبات جنون، ألثغ اللسان، وفوق هذا كله.. قضايا تحرش!!

غرقت المسكينة في النوم أخيراً، لكن الهم ما زال يطاردها أينما ذهبت، لكنه جاء هذه المرة بثوب الفرح، فقد شاهدته وسط قبر مظلم، "يبحش" في التراب من حوله، ويحاول دفع اللوح الإسمنتي من فوقه، إلا أنه عاجز عن الخروج..

التعليقات