المسار ميديا المسار ميديا
recent

اخر المواضيع

recent
recent
جاري التحميل ...
recent

مئوية "بلفور" احتفاء يستحث عملاً


عدلي صادق 
في الغرفة نفسها، في وزارة الخارجية البريطانية، التي وقّع فيها آثر بلفور، على الرسالة المطبوعة بالآلة الراقنة، وفيها يقطع عهداً لليهود، بالعمل على إنشاء وطن قومي لهم في فلسطين؛ وقف بنيامين نتنياهو مزهوّاً مفعماً بغرور يتجاوز ما أظهره ليونيل روتشيلد الذي تلقى الرسالة من الوزير البريطاني، في العام 1917.
يتلقى نتنياهو دعوة من رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، لحضور احتفالات مئوية وعد بلفور في لندن. ويقول بامتنان: إن هذه الدعوة بحد ذاتها، تعبر عن عمق العلاقة بين القدس و"داوننغ ستريت". فلم يتفضل على تيريزا ماي بالإشارة الى علاقة متكافئة بين مقر رئاسة الوزراء البريطانية ومقر رئاسة الوزراء الإسرائيلية. فهو لديه عاصمة احتلتها دولته، بينما هي في رقم 10 من شارع. وبعدئذٍ أضاف: "في الوقت الذييريد فيه الفلسطينيون رفع دعوى ضد بريطانيا بسبب وعد بلفور، تقوم السيدة ماي،  بتوجيه الدعوة لي للمشاركة في مراسم إحياء الذكرى المئوية على الإعلان"!
على الطرف الآخر، كان الجانب الرسمي الفلسطيني، قد أعلن نيته طرح مجموعة فعاليات موازية للدعوة القضائية ضد تصريح بلفور، وفي لغة الطرح، كما اعتاد الناطقون باسم السلطة، جرى استخدام حرف التوقع "قد"
المستخدم للإبلاغ عن احتمالات لا تتحقق،  كالتجرؤ على وقف التنسيق الأمني، أو سحب الاعتراف بإسرائيل، أو الانضمام الى مجموعة منظمات لملاحقة العدو، أو رفع قضايا أمام محكمة الجنايات الدولية. ذلك علماً، بأن مئوية وعد بلفور، تستحق مؤتمراً مضاداً، في لندن نفسها، تُستعاد فيه كل الحيثيات الدالة على تواطؤ الأوساط الامبريالية البريطانية، ورمزها ونستون تشرشل، لتمكين الصهيونية من فلسطين. ففي مؤتمر كهذا، يمكن الاستعانة بمؤرخين وعلماء سياسة ورجال دولة، وحتى الاستعانة بأحفاد عشرات الكتاب والضباط والساسة البريطانييين الذين كانوا ضد مشروع زرع الكيان الصهيوني في بلادنا فلسطين.
ولكي تخجل الحكومة البريطانية وتيريزا ماي، من فكرة إحياء ذكرى تلك الجريمة؛ يمكن الطلب من مجلس اللوردات البريطاني، وهو الأعلى رمزية وسمواً ــ وإن كان أقل صلاحيات ــ من الغرفة الثانية في البرلمان، وهي مجلس العموم؛ أن يحضر لتقديم شهادته التي كانت تعكس موقف الضمير الإنساني البريطاني، حيال قضية فلسطين. فقد صوّت مجلس اللوردات بالأكثرية الساحقة لصالحنا في العام 1922 وأكد على لا أخلاقية وعد بلفور وعلى بطلانه، بعد أن استمع الى شرح مستفيض من وفد فلسطيني، لطبيعة الهجمة على شعبنا وبلادنا. لكن تشرشل، ومعه عتاة الإمبرياليين من ضباط إدارة المستعمرات في المنطقة، طاردوا القرار الصادر عن مجلس اللوردات، واسقطوه في مجلس العموم، بذريعة أنه يتعلق بالمصالح الاستراتيجية للتاج البريطاني، وهذا جزء من السياق الذي ينبغي أن تخجل منه الحكومة البريطانية، بدل أن تدعو نتنياهو الى حفل إحياء مئوية تصريح بلفور.
ويمكن أن يؤتى في المؤتمر المضاد،  بأحفاد أرنولد جوزيف توينبي، أشهر مؤرخي بريطانيا قاطبةً، لكي يقرأوا أمام الحاضرين، ما كتبه جدهم الراحل، وبعض فقراته محفوظ في مكتب السجلات البريطانية العامة. فقد كان توينبي شاباً موهوباً شغوفاً بتدوين التاريخ الذي لا تميل تيريزا ماي الى قراءته، وكان يستفيد من عمله في وزارة الخارجية، للاطلاع على الحقائق. فقد أرسل حاكم القدس العسكري البريطاني الموالي للصهيونية، استفساراً لوزارة الخارجية،  في ديسمبر 1918 يقول فيه:"إن غير اليهود، يريدون أن يعرفوا فيما إذا كان الهدف الصهيوني هو إنشاء دولة يهودية مستقلة". ويرد توينبي المسؤول في الخارجية نفسها التي أصدر وزيرها قبل نحو سنة، تصريح بلفور، فيقول في برقيته الجوابية:"أول ما يجب أن يكون من عملنا الأساسي، أن تتأسس دولة فلسطينية، تعطي المواطنية الفلسطينية لكل السكان، بمن فيهم اليهود، وهذا وحده ينسجم مع برقية المستر بلفور، ولكن العنصر اليهودي يجب ألا يُسمح له بأن يؤسس دولة ضمن الدولة، وأن يتمتع بامتيازات أكثر من سائر المواطنين"!
ففي بريطانيا نفسها، وفي إدارات الدولة والجيش، كان هناك معارضون كُثر للجريمة، لذا فإن تغليب منطق الفجور والظلم، الذي تبناه الإستعماريون الأوغاد، والاحتفاء بإنجازهم الذي تجسده دولة الشر، وإنكار حق الفلسطينيين في الاعتراف بدولتهم، يمثل سياقاً لعملية اجترار قميئة، لمنطق البطش الاستعماري، تضطلع بها الحكومة البريطانية الراهنة.
لعل من بين واجبات جامعة الدول العربية، والأقطار المنضوية في عضويتها، والأقطار الصديقة؛ الإعداد لمؤتمر حاشد، للضمير الإنساني، يُعقد في لندن، يستذكر تواطؤ الحكومات البريطانية، واحتقارها لفكرة العدالة التي أدركها مجلس اللوردات، ويسلط الضوء على مراحل التمكين للصهيونية، قبل وبعد تأسيس دولة الشر!  

التعليقات