المسار ميديا المسار ميديا
recent

اخر المواضيع

recent
recent
جاري التحميل ...
recent

عائد من الجنة... محمود عيسى




أقسم بأن يزرع الجوري في كل منزل عانقته الحرب، كانت رصاصاته تلك البذور التي طالما اغتسلت بعرق يده، وكما كل صباح حمل عتاده الوردي، وراح يجول بين شوارع المخيم المدمرة، وإذ بجورية على هيئة ملاك، بشعر كستنائي تخللته عقود ياسمين مجدلة، وعيون لازوردية، تأسر من يراها، فانتفضت البذور من يده مقبلة التراب من بين قدميه في وهلة غياب عن الواقع، كانت لتكتمل حكايتهما لولا تلك الجنازة التي سرقت واقعهما، فقد رحل مع المشيعين دون أن يتفوه بأي كلمة البتة، تاركاً تلك الجورية أسيرة لصمتها..
مرت الدقائق على انتظارها دون أي جدوى، فما كان لها أن تنتظر أكثر، فغادرت المكان في حالة يأس طبعت الحيرة في صفحة وجهها البيضاء، فباتت تطالع اللا شيء وتُدور عجلة الذاكرة لذاك الموقف القصير الذي علق في مصفاة روحها للأبد، مرت الدقائق وهي تعد ثوانيها، حتى أشرقت الشمس واحتضنت الأرض كلها، حتى باتت تركض إلى ذات المكان حيث التقت عيناها بذاك الكنز، نظرت مطولاً.. لكنها لم تجد إلا ركام وركام، اقتربت من مكان وقوفه، وإذ بها تجد جورية ناضجة، تضوع بعبير يخطف الأنوف، فطأطأت رأسها وقطفت تلك الوردة، لكن المفاجأة كانت صاعقة..
جنازة أخرى تمر من ذات المكان، وقفت في حالة ذهول كركبت جسدها، ثم صعدت على حجر قذفته الحرب على مقربة منها، وبدأت تنظر إلى ذاك الوجه الملائكي، الذي غطته كوفية، وعلم..
يا الله!
 لقد كان هو..
أمطرت بلورات المسكينة بالدموع، رغم أنها لا تعرف إلا عيونه، تلك العيون التي نسجت في أحشاء ذاكرتها حلم جميل ستقتات عليه فيم تبقى لها من عمر..
انتظرت كثيراً حتى خارت أقدامها وانهارت، فلم يتوقف شلال دموعها إلا بمصادفة بعثت في قلبها نسمة مسحت الحزن عن دفتر قلبها، كانت جورية تضوع برائحته، فأخذت تستنشق وتبعث بالآهات حتى وجدت نفسها وحيدة في ذاك المكان بعد أن أسدل الليل ستائره فبدت ألوان الحرب ترسم حكاويها في لوحة السماء فراحت تركض وتركض، تقفز بين الجثث والحجارة، حتى وصلت المنزل أخيراً ، ولكن كانت تنتظرها وجبة ساخنة من الشتائم..
فها والدها، أمها وشقيقها الأكبر في الانتظار، وقبل أن ترد السلام، أو حتى تحية المساء لاقت ضربة عانقت خدها الأيمن، ذاك الخد الذي طالما تلون بالخجل..
لم تستفق من هول الصدمة حتى باتت مذنبة وشيطانة، الصمت ما زال يخيط لسانها، والذهول بات ينحت في جسدها، ذهول لم يستمر طويلاً، فصفعة أخيها الأكبر جرحت قلبها، لم تكن ضربة بسكين.. لا، ولم تكن رصاصة عبرت جسدها بصمت؛ بل كانت كلمة، وأي كلمة تلك..
لقد كانت اشهاراً بتزويجها من ابن عمها أدهم.. يا الله..
اسودت الدنيا في وجهها، فباتت تومئ لقلبها: هـــي أنت، توقف أيها اللعين..
 ذاك العنيد أبى وأصر على الحياة، مضت بضع لحظات حتى تجمدت الدموع في عيونها، فراحت تجول في بناة أفكارها "المغبشة"، فتارة تلعن الرجال، وتارة تلعن حظها الأحمق، ففي كل حياتها لم يعجبها رجل قط، وحينما رسم القدر أحدهم لعب حظها الأحمق دوره مجدداً..
ما هي إلا ثوانِ حتى اغرورقت وسادة ياسمين بالدموع، دموع صلبت في جفونها، والتي لم تجد إلا النوم وسيلة للهروب من واقعها المشئوم، فالحرب ما زالت تركب المخيم، وعريسها تبارك الله!
 شارب مفتول، هندام سخيف، عقل ضارب، نوبات جنون، ألثغ اللسان، وفوق هذا كله.. قضايا تحرش!!
غرقت المسكينة في النوم أخيراً، لكن الهم ما زال يطاردها أينما ذهبت، لكنه جاء هذه المرة بثوب الفرح، فقد شاهدته وسط قبر مظلم، "يبحش" في التراب من حوله، ويحاول دفع اللوح الإسمنتي من فوقه، إلا أنه عاجز عن الخروج..أمطرت بلورات المسكينة بالدموع، رغم أنها لا تعرف إلا عيونه، تلك العيون التي نسجت في أحشاء ذاكرتها حلم جميل ستقتات عليه فيم تبقى لها من عمر..
انتظرت كثيراً حتى خارت أقدامها وانهارت، فلم يتوقف شلال دموعها إلا بمصادفة بعثت في قلبها نسمة مسحت الحزن عن دفتر قلبها، كانت جورية تضوع برائحته، فأخذت تستنشق وتبعث بالآهات حتى وجدت نفسها وحيدة في ذاك المكان بعد أن أسدل الليل ستائره فبدت ألوان الحرب ترسم حكاويها في لوحة السماء فراحت تركض وتركض، تقفز بين الجثث والحجارة، حتى وصلت المنزل أخيراً ، ولكن كانت تنتظرها وجبة ساخنة من الشتائم..
فها والدها، أمها وشقيقها الأكبر في الانتظار، وقبل أن ترد السلام، أو حتى تحية المساء لاقت ضربة عانقت خدها الأيمن، ذاك الخد الذي طالما تلون بالخجل..
لم تستفق من هول الصدمة حتى باتت مذنبة وشيطانة، الصمت ما زال يخيط لسانها، والذهول بات ينحت في جسدها، ذهول لم يستمر طويلاً، فصفعة أخيها الأكبر جرحت قلبها، لم تكن ضربة بسكين.. لا، ولم تكن رصاصة عبرت جسدها بصمت؛ بل كانت كلمة، وأي كلمة تلك..
لقد كانت اشهاراً بتزويجها من ابن عمها أدهم..
يا الله..
 اسودت الدنيا في وجهها، فباتت تومئ لقلبها: هـــي أنت، توقف أيها اللعين..
ذاك العنيد أبى وأصر على الحياة، مضت بضع لحظات حتى تجمدت الدموع في عيونها، فراحت تجول في بناة أفكارها "المغبشة"، فتارة تلعن الرجال، وتارة تلعن حظها الأحمق، ففي كل حياتها لم يعجبها رجل قط، وحينما رسم القدر أحدهم لعب حظها الأحمق دوره مجدداً..
ما هي إلا ثوانِ حتى اغرورقت وسادة ياسمين بالدموع، دموع صلبت في جفونها، والتي لم تجد إلا النوم وسيلة للهروب من واقعها المشئوم، فالحرب ما زالت تركب المخيم، وعريسها تبارك الله!
شارب مفتول، هندام سخيف، عقل ضارب، نوبات جنون، ألثغ اللسان، وفوق هذا كله.. قضايا تحرش!!
 غرقت المسكينة في النوم أخيراً، لكن الهم ما زال يطاردها أينما ذهبت، لكنه جاء هذه المرة بثوب الفرح، فقد شاهدته وسط قبر مظلم، "يبحش" في التراب من حوله، ويحاول دفع اللوح الإسمنتي من فوقه، إلا أنه عاجز عن الخروج..
 فأيقظت فزعة تبحث عن عباءتها..
وما هي إلا لحظات حتى وجدت ياسمين عباءتها فخرجت سريعاً تشق عباب الليل، الجو موحش للغاية، والبرد قارس.. لكن تضاريس قلبها معتدلة فراحت تركض وتركض، والرغبة في تحقيق مرادها قد استوطنت جسدها المتيم بالجمال..
وصلت المقبرة أخيراً، ولكن أين ستجده وسط هذا الكم الكبير من القبور؟ فجميعها متشابهة، والموت زائرٌ دائمٌ هنا..
تسمرت أقدام المسكينة على باب المقبرة، وها هي تطالع الظلام من حولها، فالخوف يهاجم قلبها، والبرد ينقض على جسدها، لكن حبها أكبر، فما زال شريط منامها يدور في مخيلتها..
فدخلت المقبرة وبدأت تتحسس القبور وتتخطاها، وما لها إلا كشاف تعيس لا يفي بغرضه، لكن حبها صادق، وأبواب السماء مشرعة لدعاء قلبها..
فانزاحت ستائر الغيم وانقشعت وبدى القمر يبعث بالطمأنينة في قلبها، فباتت أقدامها تتبع قلبها، ذاك الدليل الذي لم يخن صاحبه قط، ما هي إلا بضع لحظات حتى توقفت أمام قبر لا يختلف كثيراً عن تلك القبور المترامية في أحشاء المقبرة..
طأطأت رأسها نحو ذاك القبر وبدى أن الماء لم يجف من ترابه بعد، فبدأت تحفر وتحفر.. وحرب أخرى تدور في أروقة مخيلتها؛ بين عقلها الذي بات يحدثها عن ذاك الخوف الذي يخبئه ذاك القبر، فماذا إن لم يكن القبر له، فكيف سيكون شكل الميت وهو يعانقها بالنظرات؟!
كان قلبها المقاوم الوحيد لتلك الهواجس، فبدا كالصوان أو أشد..
لقد مضت العديد من الدقائق، كانت ياسمين قد أزالت كامل الترب فوق ذاك اللوح الإسمنتي الذي يغطي القبر..
هنا وصلت إلى مرحلة الحسم؛ فإما أن ترفع اللوح الاسمنتي وتجده، وإما أن تجد جثة أخرى تبعث الرعب في حياتها وأحلامها للأبد..
فأمسكت اللوح الاسمنتي بكلتا يديها، ثم قطعت أنفاسها، وأغمضت عيونها، وشدته نحوها بقوة..
 - يا الله لقد كان ثقيلاً جداً..
لا تزال عيونها مغمضة بعد، وشفاهها انطلقت تردد آية الكرسي، لم تفتأ من قراءتها حتى تفتحت عيونها..
لقد كانت جثة طُمست معالمها؛ فالجروح تملأ وجهها، لم تخف ياسمين من تلك الجثة البتة، بل راحت تتحسس الكشاف في أحد جيوبها، فأنارته وراحت تطالع وجه الحقيقة..
وفي لحظة ترقب شديد خارت أقدامها وانهارت بجانب هذا القبر، وأخذت تقسم:
- والله إني أعلم أن  قلبي لا يكذب..
استفاقت ياسمين سريعاً من صدمة المشهد الأول، فسحبت اللوح الاسمنتي الأول، وأتبعته بالثاني ثم الثالث، ثم نزلت نحو الجثة، فراحت تتحسس أنفاسها فكانت المفاجأة التي بات قلبها يرقص فرحاً لها...
- نعم لقد كان حياً!!
الفرحة امتزجت بالدموع، شعور حرك سواعد ياسمين، فراحت تلفه بيدها رغم ثقل جسمه، فأجلسته وكان غائباً عن الوعي، وراحت تهمس له، تحدثه، تناجيه، ولكنه ما زال في غيبوبته..
ساعات الليل الطويلة أرغمتها للنوم فوق كتفه، إلا أن شمس الصباح لم تتأخر، فباتت تشع بالنور فوق جفونها الغافية، فأيقظت وهي لا تصدق بأن النوم سرقها..
 أيقظت وهي تعانقه بالنظرات، وقد أظهرت الشمس معالم جسده كافة، فبدأت تنزع الكفن عنه وسرعان ما خرجت من القبر تبحث عن من يساعدها..
وإذ بكهل تجاوز الستين من يمر بجانب المقبرة، فبدأت تصرخ عليه وتناديه من بعيد..
 - هـــي أنت.. يا عم؛ أرجوك ساعدني..
توقف العجوز منبهر من تلك الفتاة القادمة من المقبرة، ولم يتفوه ببنت شفة، وفي الحين وصلت ياسمين إليه، وبدأت تتلو عليه حكايتها..
لم يقتنع العجوز تماماً بما تهذي به ياسمين، إلا أنه لم يجد مانعاً من دخول المقبرة والتأكد من أقوالها، فسارا داخل المقبرة يبحثان عن ذاك القبر، في الوقت الذي أيقظت فيه عائلة ياسمين والحنق قد بصق في وجوههم، الأب والأخ يتوعدان، والأم تلعن العار..
 وصلت ياسمين أخيراً للقبر وبدت ملامح الدهشة جلية في وجه ذاك العجوز إلا أنه سارع رفقة ياسمين في حمل تلك الجثة الرافضة للموت وإخراجها خارج القبر..
لم يكن عليهما إلا الخروج من تلك المقبرة؛ فسرعان ما نادى الكهل أقاربه والذين لم يتوانوا للحظة في المساعدة..
نقلت الجثة أخيرا للمشفى، ومعها انتقلت عدوى الدهشة لأطباء المشفى، عدوى بدأت تتناقلها وسائل الإعلام المحلية، والكل غير مصدق لتلك الرواية، فزمن المعجزات قد ولى..
 لم تغادر الشمس كبد السماء حتى انتشر الخبر بين العامة، وأصبح حديث الشارع، لكن اسم ذاك الشاب ما زال مجهولاً..
حتى إن عائلات الشهداء في الفترة المنصرمة بدأت تتوافد نحو المشفى، على أمل أن يكون العائد إلى الحياة فلذة كبدهم، فـجروح تفتحت، وجفون ثملت من الدموع!
وعلى حين غرة، توقفت أمام باب المشفى سيارة جيب فارهة، يقلها رجل وامرأة، يبدو أن الحرب لم تزرهم، فثياب مستوردة، وعطر يفج من أجسادهم، ومظهر يلفت كل من يراهم..
 فتقدم الزوجان نحو مكتب الاستعلامات، وما هي إلا ثوانٍ حتى رافقتهم الممرضة نحو تلك الغرفة التي يتمدد فيها ذاك الجسد الرافض للموت..
ومع مرور الرجل وزوجته أصاب ياسمين نوبة من القلق، فباتت دقات قلبها غير منتظمة، وراحت عيونها تراقبهم من أخامص أقدامهم حتى منابت شعورهم..
مر الزوجان من أمام ياسمين دون أن يعيروها أي اهتمام، فدخلا الغرفة وراحت أقدامهم تحبو نحو السرير، وفي لحظة صمت عمت المكان، إنهار الزوجان فوق ذاك الجسد الممدد!!
 والمسكينة ياسمين ترقب المشهد من فتحة صغيرة في الباب، والدمعة قد فحرت في مآقيها، وضحكة ناعمة تسللت لقلبها..
وبين تلك الدموع فضت الممرضة حرج الموقف خوفاً على سلامة المريض، في الوقت الذي بدأ فيه الزوجين إمطار الممرضة بالأسئلة..
وسرعان ما أخبرتهم الممرضة عن دور تلك الفتاة في إنقاذ حياة ابنهما، وما أن سمع الرجل تلك الكلمات، حتى بدأ يركض بحثاً عن ياسمين والتي غادرت المشفى..
بدى الرجل غاضباً لمغادرتها، وفي حينه رصد مكافأة ضخمة لمن يدله على ياسمين..
 لقد باتت ياسمين على أعتاب الوصول إلى منزلها، فها هي عائدة غير آبهة بمصيرها المنتظر..
وما أجمله إن كان الموت، فأي حياة في براثن الشقاء لا تسمى حياة..
ففتحت الباب وراحت حبات عيونها تطالع وجه أبيها المتجهم وطلعة أخيها السوداء، ونظرات أمها القاتلة!
وقبل أن ينبس أحدهم ببنت شفة، بادرتهم بالحديث..
 - ها أنا عدت إلى البيت، لا يهمني ما ستفعلونه، فقد حققت جزء كبير من مرادي، وإن شاء الله لي أن أكمل ما بدأت فإن الله وحده سيقف بجانبي..
- وهل تعرفين الله أيتها الساقطة؟!
قالها شقيقها بصوت غاضب، لكن والدته بدأت تهدئ الأمور..
- أين كنتِ يا ابنتي؟ ألا يوجد حرمة لهذا البيت؟
انضم والدها لركب المتحدثين، وبادر قائلاً:
 - إن بقيتِ يوماً آخر في عنقي، فسوف أقتلك، سأحضر المأذون حالاً، وأنت يا أحمد، اذهب وأخبر ابن عمك أدهم بأن يحظر حالاً هو وعمك بهاء..
 - حسناً يا أبي..
لم تمض سوى عشر دقائق كان قد حضر فيها العم بهاء وابنه أدهم، وكذلك مأذون المخيم بات على وصول..
لقد مضت بضع دقائق أخرى، وصل فيها المأذون وبدأت مراسم الخطوبة، خطوبة لا تعرف طعم الفرح..
فالجميلة ياسمين قد تحجر قلبها، وباتت لا تصد ولا ترد..
وفي حينه، طلب المأذون من والد ياسمين إحضارها، بعد أن جهز الأوراق اللازمة لإتمام الخطوبة..
- يا الله.. إنها اللحظة الفارقة، فأي حياة تنتظرك أيتها الجميلة؟!
 جاءت ياسمين رفقة والدها الذي شد يدها بقوة، وأبقى معصمه ملتف حولها حتى أجلسها قبالة المأذون، وبجانب ابن عمها أدهم، وما أن باشر في أسئلته المعتادة حتى بدأ الباب يطرق ويطرق..
طرقات الباب بعثت في فؤاد ياسمين بصيص من الأمل، وكأن الروح عادت لجسدها الذابل..
سرعان ما نهض أحمد وفتح الباب، وإذ برجلين وامرأة يقفان خلف الباب..
أحمد:
- تفضل من تريد؟
أجابه الرجل الأكبر:
- هذا بيت ياسمين؟
وقف أحمد في حيرة من أمره، ثم أردف:
- نعم، ومن أنت؟
- أنا سعيد الأحمد، جئت لأرى ياسمين وأشكرها وأهديها هدية متواضعة..
- ولكن اليوم خطبتها ولا يجوز أن تراها..
قاطعه خالد صارخاً:
- هــي أنت، ماذا تقول؟ إنها عروستي، لن يمسسها أحد غيري..
لم يكمل كلماته حتى بدأ ينادي بأعلى صوته..
- ياسميـــــــن.. ياسميــــــن
فأردف سعيد:
- اسمح لنا بالدخول يا ولدي، لا يجوز الكلام من وراء الأبواب..
 - حسناً، انتظروا للحظة..
دخل أحمد وبدأ يقص لوالده ما جرى معه في الخارج، حتى أمره والده بأن يدخلهم..
 دخل خالد ووالديه المنزل، وبعد تحية وسلام، بدأ والد خالد يعرف عن نفسه وعمله، ثم راح يكيل المدح في ياسمين وتضحياتها، ودورها في إنقاذ حياة ابنه خالد..
 وكيف أخرجته من القبر وذهبت به إلى المشفى.. والجميع قد أرخى آذانه وكأنه يتحدث عن ملك منزل من السماء، فها داء الدهشة رسم ملامحه فوق وجوه الحاضرين جميعاً بما فيهم مأذون المخيم، وشقيق ياسمين، الذي بات يلعن يده في كل مرة مدت على شقيقته الملائكية، ووالدها الذي بات يشعر بالفخر تجاه ابنته، وأمها التي باتت دموعها تحكي حسرات قلبها.. وعلى حين غرة تقدم أحمد وبدأ يحدث أحمد الأكبر:
 - تحدث ابنك خالد، بأنه أحب ياسمين، وأنه سيكون عريسها، وإنني بصفتي شقيقها الأكبر، ولا أكسر بذلك كلمة والدي، فكلمتنا واحدة، نسعد بك صهر لنا، وهنيئاً لكم بياسمين..
دموع الفرح غطت وجه ياسمين، التي ركضت نحو مغسلة الماء، تبلل نفسها بالماء البارد وكأنها غير مصدقة لما يحصل..
وبلمح البصر دخلت غرفتها ولبست أجمل ثوب عندها، وراحت تنظر لنفسها في المرآة..
- يا رباه!! ماذا فعل الفرح في جسدك يا ياسمين؟
 لقد كانت حورية منزلة من الجنة، استعجلها المأذون فعادت سريعاً وراحت تقبل عريسها بالنظرات..
فكتب المأذون كتابهما في فرحة لم تعكر صفو ابن عمها أدهم، والذي راح يصفق ويضحك لفرحة ابنة عمه..
وفي تلك الأجواء الباسمة اقترب خالد من منقذته، ومحبوبته، فأمسك يمناها بلطفٍ كبير وراح يبحث في يسراه عن شيء خبأه في جيبه، وما هي إلا وهلة حتى أخرج حفنة من بذور الورد ومنحها لياسمين وراح يقول:
- يا وردتي، أنا عدت من الجنة لأكون لك ومعك أبد الدهر.. 

التعليقات