المسار ميديا المسار ميديا
recent

اخر المواضيع

recent
recent
جاري التحميل ...
recent

فأيهما ستختار ؟!




الأديب محمود جودة 

الفن هو مرآة المجتمع، والأدب هو الانعكاس الحقيقي للبيئة المُعاشة، فطالما كانت هناك بيئة خصبة من العادات والتقاليد والأعمال اليومية المُشينة، سوف يجتهد الأديب في إظهارها بصورتها الصادمة كما كان في شعر نجيب سرور، وبإسقاطاتها التي قد لا يفهمها الجميع، وهذا مرتبط بالضرورة بخلفية الكاتب ومدى قدرته البحثية وقدرته أيضًا على مواجه القرّاء قبل مواجه النظام الحاكم الذي سوف يجتهد في منع العمل الأدبي ومصادرته وإظهار كاتبه وكأنه مجرم يريد هدم القيم، ولكنه - أي الحاكم - سيفشل، ربما نجح في ستينيات القرن الماضي، لكنه اليوم لن يستطيع النجاح البتة لأن أدوات التعبير والنشر تغيّرت، وأصبحت في متناول الجميع بضغطة زر، لكن عقل الحاكم العربي ونظامه وسياسته لم تتغير، لذلك هو محكوم عليه بالقصور والفشل، وسيغطي على هذا الفشل ويلجأ إلى صندوق المفاهيم التي حاول زرعها في عقول الناس وهي حجج العادات والتقاليد وخدش الحياء العام وهلم جر من هذه المعاني التي لا معنى لها، وهو بغبائه أو بثبات نموه العقلي والمعرفي على عصور بعيدة يظن أنه سينجح في إبعاد الجمهور عن هذا المنتج "الأدبي" الذي هو في الحقيقة يعريه ويُظهر مدى هشاشة فلسفته، ولكنه مخطئ فكلما حاول أن يعزل ويمنع ستتجه قريحة القارئ بفطرته الإنسانية إلى البحث عن الممنوع، وبهذا هو يقدم أكبر خدمة للعمل وصاحبه.

لطالما كان الكاتب في تنافر تام مع الحاكم وما أنتجه من مفاهيم وتابوهات لتخدم وجوده وتناقلتها الأجيال حتى أنها ألبستها ثوب القداسة.
ولكن تبقى مهمة الكاتب صعبة جدًا، فهو الأمين على نقل الصورة كما هي بدون أي إسفاف، وبدون تعميم، وبحر اللغة كبير جدًا ويستطيع من خلاله توصيل ما يريد على الرغم من حاجة إلى استخدام بعض المصطلحات كي يضرب على الوجع بكل تجرد ويقول للجميع لقد وصلنا إلى القاع، لكنه مطالب بالحفاظ على شعرة الفرق بين الصراحة الصادمة وبين الوقاحة المفرطة، كي يحفظ مكانه في الأدب، لأن الأدب كما أي شيء، درجات.

سؤال واحد ويتيم نوجهه إلى الحاكم أو من منع كتاب أو رواية أو فيلم: هل نجح أحد من قبلك في المنع والمصادرة، أم أنه رجع خائبًا يجر أذيال الخيبة ؟!


لا سلطان على العقل والفكر، ربما تحبس الجسد، ولكنك أبدًا لن تستطيع حبس الفكرة، فدع الأفكار تبز بعضها بعضًا، وقف أنت أيها الحاكم على الحياد، وتوقف عن خدش الحياة بتدخلك السافر في كل شيء وكأنك العالم العليم، دع الأقلام ترد على بعضها بعضًا، فالحبر لا يعالج إلا بالحبر، وأنت للأسف لا تمتلك الحبر بل تمتلك الكلابشات وشتان بينهما. 

التعليقات