المسار ميديا المسار ميديا
recent

اخر المواضيع

recent
recent
جاري التحميل ...
recent

إناء ينضح بما فيه




عدلي صادق

لم يمض أكثر من شهر، على تسلم مايكل فلين، مهامه كمستشار للأمن القومي الأمريكي، بعد أن اصطفاه ترامب على خلفية معرفته بأن الجنرال السابق، بلا ضمير. فلم يتوقع الرئيس المنتخب، أن يغدر فلين بولي نعمته الجديد، لكنه اكتشف أن صاحبة بدأ سريعاً في اللعب من وراء ظهره، فوصل الى قناعة بأن هذا الجنرال، لا يؤتمن، بينما هو مستشار الأمن القومي وليس مستشاراً لشؤون البيئة.  فمن الخطورة بمكان، أن يخفي عن معلمه الجديد، حقيقة ما دار بينه وبين الروس، عبر سفير موسكو في واشنطن!

ربما يكون من سنن الحياة ومن طبائع التاريخ، أن يتعرقل أي تحالف بين فاقدي الضمائر، وهذا ما يخفف قلقنا من الحميمية بين نتنياهو وترامب. فالكلام الجارح والسخيف، الذي صدر عن الاثنين، يخالف المنطق بشكل فظ، ولن يؤدي إلا الى  تأزيم الأوضاع دون أن تؤول الأمور لفاقدي الضمائر، أو تسير الرياح بما تشتهي سفنهم!

بخصوص مايك فلين، أحد أفاعي القفة التي يحملها ترامب، أن الأصل في اختيار الأخير للأول، هو قناعة ترامب بغلاظة مايك وسفاهته وعنصريته. فالرئيس الأمريكي المنتخب، يأنس لمثل هذه الأشكال، ولعل هذا هو سبب استمتاعه بلقاء نتنياهو. فقد كان مايكل فلين، بعد أن أنهى 33 عاماً من الخدمة في الجيش، قد ارتضى على نفسه، أن يكون في ديسمبر 2015 ضيف  عشاء في موسكو لمناسبة قناة "روسيا اليوم" الناطقة بالانجليزية، وأن يصبح معلقاً معتمداً عندها ويقبض منها، وهذا ما يُفترض أنه نقيض مزاعم ترامب عن الوطنية الأمريكية. غير أن خطأ ترامب، هو اعتقاده بأن من يجر وراءه، حكايتي افتضاح اثنتين، مثلما هو حال فلين، سيكون مطيعاً لرئيس يجر وراءه تاريخاً من نحو ثلاثة آلاف قضية أمام المحاكم، لا زالت هناك واحدة وثلاثون منها عالقة. وربما يكون من باب الاعتقاد الأكثر سذاجة، أن يرى ترامب في فلين، عنصراً لازماً لمساعدته، على دفع علاقاته مع روسيا قُدماً. وهذا على أية حال، اعتقاد ينم عن جهل بالسياسة، إذ ليس في وسع أرزقي أن يؤدي دوراً وازناً متمثلاً كبرياء بلاده، لدى دولة منافسة، هذا مع افتراض قوي بأن تكون دولة الاسترزاق قد سجلت له بالصوت والصورة.

في كل الأحوال لم يكن فلين يصلح مستشاراً للأمن القومي، وإن كان يصلح لمجالسة ترامب ومؤانسته!

 فاقد الذمة، لن يستطيع تخليق بعضها لنفسه، حتى في حالات الصداقة والحب، وهذا ما غاب عن ذهن ترامب.

في العام 2012 تسلم مايك فلين، إدارة جهاز المخابرات الدفاعية دي أي إيه. وعندما طُرد منها، عُرف السبب، من خلال حديث أدلى به علناً وزير الخارجية، كولن باول،  إذ قال "إن هذا رجل سفيه ومغرور، سيء الإدارة، ويعمل ضد السياسة المرسومة، وكأنما هو في حالة خصومة مع الحقائق"!

ولعل أكبر أكاذيبه، التي كانت من بين أهم أسباب اختيار ترامب له؛ مجاهرته بكراهية الإسلام والمسلمين، كعقيدة وبشر، وقد بلغت بذاءته الذروة، عندما زعم أن للإرهاب جذوراً في الدين نفسه، ما يجعل الخطر الأكبر يتمثل في المسلمين وإرهابهم". وأضاف "إن أمريكا اليوم، أقل أمناً مما كانت عليه يوم 11 سبتمبر 2001"!

في الوقت نفسه، وكما هو حال النصابين في كل عصر ومن كل ملة؛ أسس مايك فلين مع ابنه، شركة سماها "مجموعة فلين الدولية" لبيع خدمات المعلومات الاستخبارية للحكومات، وكانت الحكومة التركية أهم زبائنه، قبل أن تطور العلاقة معه لتقديم استشارات ومجهودات، لتخليق لوبي ضاغط لصالح أنقرة في الأروقة الأمريكية، فضلاً عن شيطنة المعارض فتح الله غولن، ودعوة واشنطن لمساندة أردوغان كحليف للولايات المتحدة. والطريف، أنه في اليوم الأول، لمحاولة اطاحة حكم أردوغان في صيف العام الماضي، تعجل فلين لكي لا يخسر عقوده مع أنقرة، فقال أن إطاحة أردوغان عمل يستحق التصفيق. لكنه عاد عندما فشلت المحاولة، فدعا إدارة أوباما الى تعزيز التعاون مع أنقره لمي لا يُساء فهم فتورها أو غموضها حيال المحاولة الإنقلابية!


بعد استبعاد ترامب لمايك فلين، عقاباً له على إخفاء ما دار بينه وبين الروس، واستجابة منه، للتذمر الأروربي من فلين، بسبب تحريضه على حلف الأطلسي؛ فلا زال إناء ترامب ينضح بمن تبقوا فيه، ممن يحاولون رسم مصائر الشعوب التي يحتقرونها. لكنهم سيفشلون كلما صممت الشعوب على أن ترسم مصائرها بنفسها، من خلال مقاومتها وصمودها ووحدتها!                   

التعليقات