المسار ميديا المسار ميديا
recent

اخر المواضيع

recent
recent
جاري التحميل ...
recent

إنكشاف الغُمة وصفاء الرؤي



عدلي صادق

ربما يصعب التذكير في هذه العُجالة، بكل ما يوجب أن يستجمع الوطنيون الفلسطينيون صفوفهم، وأن يطووا مرحلة النظام الأمني، الذي له سلطتان متعارضتان، في الضفة المحتلة وغزة المحاصرة، وأن تكون هذه الضرورة المصيرية، ذات أولوية قصوى وعاجلة، يُستعاد بها النظام السياسي الوطني، لكي تنكشف الغُمة وتصفو الرؤية.
فإن كانت الكيانات الراسخة والأقطار المتقدمة، والديموقراطيات التي تسندها كتل شعبية، أصبحت تترنح بفعل العواصف التي تهب الآن في العالم؛ ألا يجدر بأصحاب القضية العادلة، والوطن المُضيَّع، أن يستجمعوا صفوفهم وأن تسعى طبقتهم السياسية الى استعادة ثقة الكتلة الشعبية الفلسطينية بها؟
كانت سنة 2016 التي انصرمت، سوداء فاحمة، وقد انتهت بظهور دونالد ترامب على المسرح الدولي. وهذا الرجل الشعبوي وضيق الأفق، سيفاقم الأوضاع الدولية المتردية أصلاً، إذ جاء بمثابة مددٍ أمريكي للتيارات الشعبوية العنصرية، في القارة العتيقة، وهذه ليست متعاطفة معنا. فالشعبويون في أوروبا يصعدون، وفي غربي القارة، تئن الأقطار الصغيرة من الاحتقان الذي تعيشه غيتواتها وجماعاتها المغايرة، لا سيّما في ظلّ التقابل، من موقعي الخصومة، بين كراهية الإسلام وإرهاب الإسلامويين!
الشياطين الذين خرجوا من مجتمعات المسلمين، يضربون قضية القدس في مقتل، وهم الذين أنعشوا العنصرية ضدنا في العالم. بل أضعفوا من يحاول من الأوروبيين أن يتفهم عذاباتنا. فإن أظهرت المستشارة ميريكل ــ مثلاً ــ سماحة وإنسانية حيال الإنسان العربي المسلم المظلوم، فإن عملية استنزافها سياسياً من قبل العنصريين الألمان، لا تنجج إلا بهجوم الإرهابيين الإسلامويين على الألمان الأبرياء. 
العلاقات الأهلية تتردى حتى في كثير من البلدان المتقدمة، وتضاءلت فكرة المواطنة وأصبحت على المحك، رغم أنها استكملت أبهى تجلياتها قبل عشرات السنين. ففي الولايات المتحدة نفسها، بات الحق القديم، للمواطنين، في امتلاك السلاح، يشكل كابوساً، بعد أن تفشت عدوى الكراهية العرقية التي يصعب ضبطها، وسيصعب أكثر في ظل إدارة منحازة عرقياً!
ما نلمسه في منطقتنا، على صعيد الحياة ومصاعبها وشح الرزق وغلاء الأسعار، هو نتيجة لعملية الإفقار المتزايد الذي يسببه الاقتصاد الرأسمالي.  إنه الإفقار الذي يغذي ميول التطرف القصوى على مستوى الأفراد، أما على مستوى الأوطان فقد أشعل النعرات التي تكبر، وجعلت الناس تغادر الإجماعات المشتركة، وتجنح الى البغضاء وربما الى النزاعات الأهلية! 
كيف يمكن أن نحافظ على أنفسنا، في منطقة يتصدع فيها أنموذج الدولة الوطنية التي قامت على مشتركات لا حصر لها بين مكوناتها، بينما دولة الاحتلال، الملفقة، ظلت متماسكة، لأن المعنيين بتدمير حياتنا، معنيون بتقويتها وبتمكينها من الاستقواء؟
اليوم، نحن بصدد دونالد ترامب، الإنعزالي كاره الاندماج وخصم السلم الأهلي والتداخل بين البشر والحضارات. فالرجل، يدشن مرحلة نفض اليد حتى من فكرة التوسط والتدخل وفض النزاعات، على بؤس وخداع تطبيقاتها في الإدارات السابقة.
في المقابل، بات أكثر ما يقلقنا، هو حال القوى التي ينبغي أن تتحسس الأخطار وتستجمع الإرادة الفلسطينية. فلا زال الممسكون بمقاليد الأمور في فتح وحماس، يتغذون على الترهات والأحلام، في أمنيات التسوية وفيما يسمى برنامج المقاومة،  بينما في العالم العربيّ، رفعت الثورة المضادة بيارقها، فوق جثّث الثورات التي تفسّخت!
مع هبوب الرياح العاتية، لم يتبق للفلسطينيين، إلا أن يربحوا وحدتهم، وأن يستعيدوا نظامهم الوطني الديموقراطي وبُنية المقاومة، ولو بالحفاظ على الذات. وليس هذا ممكناً، دون طي مرحلة النظام الأمني في كل من  الضفة وغزة، وبناء النظام السياسي الوطني. فقد انتهت صلاحية النطام الأمني الفلسطيني الذي له سلطتان! 

التعليقات