المسار ميديا المسار ميديا
recent

اخر المواضيع

recent
recent
جاري التحميل ...
recent

توازنات يوم السعادة



الكاتب رمزي الغزوي

في الصف السادس الأساسي شرح لنا معلم العلوم مفهوم الضغط الجوي بإنه وزن عمود الهواء، فوق منطقة معينة، وبسببه نشعر بثقل كبير على طبلات آذاننا، إذا ما نزلنا إلى منطقة منخفضة عن سطح البحر.
في ربيع تلك السنة اشتركت برحلة مدرسية انحدرت من جبال عجلون إلى كريمة في الأغوار. ويبدو أنني ألصقت خدي بزجاج شباك الحافلة، واندغت بخضار الأفق، وبيارات الموز، ونوّار البرتقال، وزهور البسباس، فباغتني معلم العلوم: بماذا تشعر الآن يا رمزي؟!. فما كان مني إلا أن قلت بلسان طلق  بلا تفكير: أشعر بالسعادة. فضحك مقهقهاً وضحكنا، وربما كان في باله أن أذكر شعوري بثقل الضغط على أذني.
يبدو أنه من الجنون في هذا الوقت العاصف بالحروب والكروب والندوب، أن تصرح بكل براءة: إنك سعيد غير شاعر بثقل أعمدة الخواء والغلاء والبلاء على أم رأسك وطبلة أذنك وشبكية عينيك وكريات دمك. والأكثر جنوناً أن تدخل يومك مقرراً أن تعيشه بسعادة دون أن تلقي بالاً لكل من يتربص بك، أو بما يواجهك من تحديات وضغوط.
ما أعيشه وأحسه أن السعادة طريق، وأنها ليست قمة للأشياء كما يظن كثيرون منا، يصلها الإنسان ويدلي رجليه وينظر إلى التعساء تحته. سعادتنا تكمن بسعينا إليها، وفي طريقنا نحو تحقيق أهدافنا وأحلامنا.
ولأن هذا العالم لا يؤمن بالمسرات الكبيرة، فثمة أشياء صغيرة تجعلنا في سعادة كبيرة دائماً. كأن تشتبك أصابعك بيد ابنتك، أو تقرأ في الصبح وجه أمك وتتذكر وشوشاتك الرطبة في أذني أبيك. أو ترقب دحنونة تنبجس من خاصرة الحجر. أو تتقمص مصير حجر تكور وتلمس في مجر الوادي. عليك أن تكون صياداً يقظاً يتربص باللحظات ويقنصها. الحياة اختلاس.
ما زلت ممسكاً بمبدأ (الآن وهنا)، فأحيا اللحظة بحذافيرها، في أي مكان أكون فيه بكل ما أوتيت من قلب وعقل وإحساس. وأؤمن أن السعيد من لا يجد وقتاً ليسأل نفسه. هل هو سعيد أم لا؟. وأن تحقيق الأهداف يسعدني، وأن الفشل لا يثنيني بل أراه درجة مكسورة في سلمي علي أن أجتازها بتوسيع خطوتي.
في هذا النهار يحتفل العالم باليوم الدولي للسعادة، ولهذا سأتراجع بعض الشيء عن رأيي بمثل هذه الإحتفالات التي تشعرنا بأن الأشياء المحتفل بها آيلة للنسيان، أو الإنقراض أو السقوط، سأتراجع قليلاً لأقول، بأنني مع يوم للسعادة؛ كي نلهج لأنفسنا بهذا الشيء غير القابل للتعريف، الذي إن تغلغلنا بصدق يشعرنا بخفة الحياة وقيمتنا وسرعة إنطفائها وضرورة إقتناصها.

التعليقات