المسار ميديا المسار ميديا
recent

اخر المواضيع

recent
recent
جاري التحميل ...
recent

قاعدة الذهب وحوادث المرور



رمزي الغزوي

نحن نتألم ولا نتعلم. نمتعض ولا نتعظ. نحزن ونأسى ونننسى، وكأن ذاكرتنا غربالية المزاج. لا نعتبر حتى من دمنا، ولا نعيد كَرة البصر لنطالع مصائنا وأسبابها. نشب كنار قشّ القيصوم، ونخمد كإنطفاءة ضوء الجدار. 
فكم نالت منا الطرقات، وكم أقسمنا ساعة المصاب، ألا ندع السيارات تصير قبوراً مبعوجة مع راكبيها. وكم قررنا أن نصحح سلوكنا المجنون في الشوارع. وهيهات هيهات. فكأن ساعات الوجع لحظات منسية، وإلا ما سقطنا في عين الهاوية الحادث تلو الحادث، والفجيعة تلو الفجيعة. فالظاهر أن كل معالجة تجيء منسجمة مع إستارتيجيتنا العظيمة: (الفزعة وما يفزعون).
فقدنا العام الماضي 700 إنساناً بحوادث مرور. وهذا يوازي دخول حرب صغيرة، وينبئ كم نحن مختلفون، حين نصير وراء مقود السيارة. الواحد منا يتغير كلياً وهو يسوق مع شديد الاسف. ولا يكون ذلك المتسامح، الهادئ، الكريم، المتصالح مع ذاته والآخرين.
لا (يحطُّ) واطياً، حتى لضوء سيارة شحيح. يعبس ولا يهادن، كأنه في مبارزة. يتضجر من ثانيتين على الإشارة الضوئية. بركاني المزاج، يزاحم بنزق وشتائم عابرة لحياء النوافذ. يريد أن يسبق الجميع، ولا يتجاوزه أحد.
للأسف نحن زنبركات مشدودة في قيادة السيارة، ودائماً متحفزون للانفجار كبارود مُحمّص، لا نتوانى عن قتال ذباب أنوفنا باليورانيوم المخصب، إن لزم الأمر، أو لم يلزم. نقود بتوتر، وتشنج، ولا نسترخي، أو نستمتع بالقيادة، فهي ليست فناً. نشدُّ على المقود وندعس وكأن السيارة تتحرك بعضلاتنا وأعصابنا.
لا نعطي للطريق حقها، ولا نراعي القوانين ونخرقها معتقدين أن (ما وراء الباب للكلاب). وهذه أخطر قاعدة في الحياة، أن لا تلتفت لمصلحة وحق الآخرين مكتفياً بنفعك الخاص. وأحياناً أحسّ أننا نسوق ب كامل خف القدم. مع أن السواقة للعقل.
القاعدة الذهبية في سواقة السيارات، أن تتوقع الخطأ من الآخرين، وتتعامل بمبدأ أن كل السائقين والمارة مجانين وأنك العاقل الوحيد. ولولا هذه النظرة الإحترازية الإيجابية لدى بعضنا، لكانت حوادث المرور أضعاف رقمنا المهول.
نريد أن نتعلم من ألمنا، وألا ننسى كيف دفنا زهرات شبابنا، بأخطاء بسيط على الطرقات. نريد ألا تأخذنا عزة السرعة والعناد و(الدقارة) والهبل وعدم التركيز، والتقليل من شأن الآخرين. كي لا نحيل نعمة السياة إلى معاقين وقتلى وأحزان تتراكم.
نريد أن تعالج موضوعة الحوادث بعيداً عن هبهبات الفزعة وأخواتها. وأن نضع برامج توعية وردع محكمتين. وأن نغلظ عقوبة من يتهاون بالحياة، بدل أن نصب جل اهتمامنا في جباية مخالفات إصطفاف في شارع فرعي. دعونا نلتفت إلى القتلة المحتملين وراء مقود السيارات.

التعليقات