المسار ميديا المسار ميديا
recent

اخر المواضيع

recent
recent
جاري التحميل ...
recent

قراءة في المشهد السياسي





الدكتور عز الدين حسين أبو صفية

تحشد الولايات المتحدة الأمريكية قوات عسكرية متزايدة في الشمال السوري وتزويد الميليشيات الكردية باحدث الأسلحة المتطورة، رغم الاحتجاجات التركية والتي تعارض ذلك على اعتبار أن الاكراد في نظرهم يعتبرون العدو الاول للنظام في تركيا كونهم مطالبون بحقوقهم السياسية والاجتماعية الرافضة لها الحكومة التركية قلباً وقالباً، وفي هذا السياق تعتبر تركيا بأن دعم الاكراد في سوريا يصيب في المحصلة النهائية في حضن القوة الكردية التركية، والأمر الثاني ان ادعم الأمريكي لأكراد سوريا تعتبره تركيا هو افشالاً واضحاً لمخططاتها واطماعها في الشمال السوري الذي لتحقيقه استخدمت أسلوب الترغيب بأن تقتطع مناطق من الشمال السوري لتكون مناطق إيواء وحماية للنازحين السوريين وحظر الطيران في اجوائها، ومع فشلها في هذا التوجه اخذت بدعم الجيش الحر والتيارات المعارضة المسلحة في سوريا لتكوين جبهة مرادفة للجبهة الكردية المدعومة من امريكا تحت ذريعة محاربة داعش في منطقة الباب التي أصبحت شبه خالية من داعش وتُعد العدة الان من جميع الأطراف للحرب ضد داعش في معقله الاساسي وهي (الرقة).

وفي ظل هذا المناخ لم تٓغب القوات الروسية والجيش السوري عن هذا المشهد وهم في سباق مع الزمن للاطباق على الرقة التي بدأ المشهد الأمني حولها ممزوجاً بخليط غير مبشرٍ إلا بحرب قادمة قابلة  لكل المفاجآت  ٠

 ومن هنا و لشيءٍ في نفس (ترامب) الرئيس الأمريكي بعد أن قدم له البنتاجون عدة تصورات للقضاء على داعش في الرقة واحتمالات انفلات عقال هذه الحرب الي شمولية المواجهة التي قد تطال كافة الأطراف بما فيها القوات الروسية، وقد تمتد الحرب الي خارج الفضاء السوري، خاصة بعد تصدي قوات الدفاع السورية للطيران الحربي الاسرائيلي بصواريخ روسية متطورة قلب ذلك معادلة الصمت السوري الروسي من مرحلة السكوت والتوعد السوري الي مرحلة التصدي بشكل عملي، لا سيما وان الرئيس ( بوتين ) كان قد حذر إسرائيل من مغبة التصدي لأي محاولات من قبل الطيران الاسرائيلي لضرب مواقع للجيش السوري بحجة ضرب مخازن الصواريخ الروسية المتطورة والتي تنقل إلى حزب الله في لبنان عبر وسائل النقل التي تتعرض بدورها أيضاً للقصف الاسرائيلي، مما ادي بالإدارة الروسية باستدعاء السفير الاسرائيلي في موسكو مرتين خلال اقل من عشرة أيام تجنباً لكل التوقعات غير المحسوبة والتي قد تفاجئ الجميع خلال الحرب ضد داعش في الرقة فيري (ترامب) ضرورة أن تبقى المنطقة باستثناء ساحة الحرب (الساحة السورية) أن تبقى هادئة بشكل يضمن للحرب الامريكية ضد داعش في الرقة السير وفق الخطط الأمريكية غير المنسِقَة مع الوجود العسكري الروسي فيها.

ومن هنا ولضمان ذلك يسعى ترامب إلى:

أ‌)  منع إسرائيل من اشعال فتيل المواجهات مع حزب الله في الجنوب اللبناني.

ب‌) ممنع إسرائيل من اشعال فتيل المواجهات مع حماس في غزة والا تنزلق لذلك رغم بعض صواريخ المقاومة الفلسطينية تجاه أراضيها.

ت‌) مناغمة الفلسطينيين وايهامهم بسعيها لإيجاد حلول للصراع الفلسطيني الاسرائيلي،  يكون سقفه دولة فلسطينية في اطار (حل الدولتين)، وهذا قد لا ينطلى على الفلسطينيين، لذا تعمل أمريكا على إيجاد ارضية خصبة لإنجاح خططها بهذا الشأن ٠

ومن هنا إزدادت الزيارات من والى واشنطن من مسئولين امريكان ومسؤولون عرب  لخلق تلك الارضية، وتمثل ذلك بزيارة مبعوث الرئيس الأمريكي (جونسون غرينبلات)، لكل من اراضي السلطة الفلسطينية لمقابلة الرئيس (محمود عباس) في رام الله وجاءت المقابلة في حدود الساعة و نصف ساعة من الزمن، ومقابلة رئيس الوزراء الاسرائيلي (نتن ياهو) في اسرائيل والتي إستمرت مقابلته حوالي الخمس ساعات، نتج عن تلك اللقاءات ان قدم المبعوث الأمريكي للفلسطينيين ورقة عمل ومقترحات تضمنت عدة نقاط ، سبق أن استخدمت تلك النقاط من قبل الإدارات الأمريكية المتعاقبة وخاصة إدارة الرئيس اوباما، إلا ان هذه النقاط لا تخرج عن كونها مسكنات للفلسطينيين للهدوء والصمت لاتمام تحقيق الأهداف الأمريكية والتي عنوانها محاربة داعش في حين أن حقيقة الأمر تختلف عن ذلك كثيراً، وهذا ما سنشير إليه في الجزء الثاني من المقال،

جاءت تلك النقاط على الشكل التالي:

- عودة المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين دون شروط مسبقة.

-  الموافقة على مشاركة دول عربية في المفاوضات مثل (مصر والسعودية والإمارات والاردن).

-  وبشأن الإستيطان يتم ايقاف بناء مستوطنات جديدة واطلاق يد إسرائيل بالاستمرار في البناء داخل المستوطنات القائمة.

-  محاربة الإرهاب ( والمقصود به الإرهاب الفلسطيني) من المنظور الإسرائيلي والأمريكي وتَمَثَلَ هذا البند في :

عدم الحديث بعموميات محاربة الإرهاب ، ولابد  من ترجمة هذا الأمر بشكل عملي وفعلي وعلى الارض ، ( كتغيير اسماء الشوارع التي سبق وان اطلق عليها اسماء الشهداء ، ووقف التحريض في الاعلام الفلسطيني ،  ويقصد به التحريض ضد اسرائيل والولايات المتحدة الامريكية ، وهذا يتطلب ، تغيير المناهج الدراسية وتغيير رسالة الاعلام التحريضية .

-  وبالنسبة للأجهزة الأمنية لا بد من تغيير عقيدتها الأمنية ، وألا تكتفي باعتقال "الإرهابيين" ( والمقصود بهم المناضلين الفلسطينيين ) ومن ثم  اطلاق سراحهم بعد فترة من الزمن ، بل لا بد من محاكمتهم والتحقيق معهم والبحث عن مصادر تمويلهم ومَن القائمين على ارسالهم لتنفيذ عمليات او التحريض ضد اسرائيل.

-  وقف تمويل أو السماح بتمويل الإرهابيين وعائلاتهم بمن فيهم من لا زال في السجون الإسرائيلية ، وهذا يعني عدم دفع مخصصات الاسرى والجرحي الفلسطينيين .

-  إعادة تنظيم وهيكلية الأجهزة الأمنية وعدم السماح لأي منتسبٍ لها

 بثنائية وازدواجية العمل (الوظيفة) ليكون مُتفرغاً للعمل مع قوات الأمن خالصاً وبعيداً عن العواطف والعلاقات الإنسانية مع الاقارب والناس.

- وفي محاولة لتكريس الفصل الجغرافي والإنساني والمهني والعملي بين الضفة الغربية وقطاع غزة، لذا يتضمن هذا البند مطالبة السلطة بعدم ارسال مخصصات الحالات الاجتماعية ، مع عدم إرسال رواتب ومخصصات جميع موظفي قطاع غزة التابعين الإدارة في رام الله وترك أزمتهم المالية  لتواجهها حركة حماس التى ترفض ذلك لعدم مقدرتها المالية لصرف مخصصاتهم ورواتبهم مما قد يخلق توتراً بينها وبين الموظفين والسكان ، الأمر الذي قد يدفع بها لقبول أيّ مقترحات حلول يكون عنوانها تقديمها  التنازلات لصالح تطبيع علاقتها بإسرائيل فى إطار تبادل حفاظ كلٍ منهما على أمن الطرف الآخر ٠

-  تعترف الولايات المتحدة بحل الدولتين- وجاء ذلك بشكل مبهم ومايع ومطاطي الهوى والتوجه ، حتى تبقى القضية الفلسطينية في مهب الريح الإسرائيلي المنفلت العقال اتجاه نهب المزيد من الأراضى الفلسطينية.

ومن هنا جاء التحرك الفلسطيني تجاه محور الصداقة الأمريكية السعودية القطرية، ومن ثم المصرية ، بعد أن سعت الولايات المتحدة بالطلب الي السعودية بإعادة ترميم علاقاتها مع مصر وتحسينها لتمارس دور الاقناع للفلسطينيين بالموافقة على التوجهات والطروحات الأمريكية وتصوراتها  لحل الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين بعد التوصل الي صيغة مشتركة لتصور حلٍ يرضي اطراف الصراع  ومن ثم خلق بيئة إقليمية مناسبة لتطبيع الدول العربية لعلاقاتها مع الكيان الإسرائيلي يمهد لتحقيق الأهداف الغربية الأمريكية الساعية لإنشاء الشرق أوسط الجديد الذى تكون إسرائيل عضواً أساسياً فيه بعد إخراج عدداً من الدول العربية منه وكل  ذلك لخلق مناخاً مناسباً يخدم الحرب الأمريكية في سوريا والتي عنوانها الحرب والقضاء على داعش ، ولكن هناك حقيقة اخرى لهذه الحرب ، يُخفي في ثناياه نوايا أمريكية لإعادة الهيمنة الامريكية في المنطقة خدمة لمصالحها ومصلحة إسرائيل وامنها ، ومن هنا جاءت جولة أبو مازن التشاورية حول كل ما سبق ذكره مع تلك الدولة العربية الفاعلة والمتفاعلون مع التوجهات والسياسة الأمريكية المتجهة نحو محاربة داعش في سوريا والتي قد تنتقل الي سيناريوهات اخرى تطلبت التحرك الأمريكي لصياغة مناخ مشابه للمناخ الذي صنعه الرئيس ( بوش الابن ) إبان الحرب الأمريكية ضد العراق ، عندما تمكن من تسكين الفلسطينيين والعرب بالتظاهر بنواياه لحل القضية الفلسطينية وانهاء الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، يضمن من خلاله حشد عربي واسلامي ودولي كبيرين جداً للحرب ضد العراق وما أن انتهت الحرب تبخرت كل وعوده ، واليوم التاريخ يُعيد نفسه.

إذاٌ ما لا بد من قوله ، هل يدرك العرب الآن وتلك الدول الحليفة مع الإدارة الامريكية الناشبةُ انيابها فى أجساد النظام العربيّ لإرهابهم واخافتهم من سياسة (ترامب) المعلنة والساعيةِ لاستهدافهم ، هل يدركون ذلك ، وهل تنطلي اكاذيب الإدارة الأمريكية و نوايا ترامپ الزائفة لتحقيق حل الدولتين وهو يؤكد على استمرار البناء في المستوطنات الإسرائيلية القائمة ، هل تنطلي علي الفلسطينيين ،

وهل سينزلق العرب والفلسطينيون الي ساحة التفكير الأمريكي لخلق البيئة الهادئة والمناسبة لتنفيذ سياسة عدوانها على سوريا التي ستنطلق من حربها ضد داعش لتحقيق أهدافها التي تروق لكثير من الدول العربية وهي محاربة ايران وتمددها الشيعي في سوريا وفي مناطق أُخرى من الوطن العربي ٠

اذاً تسعى الولايات المتحدة الأمريكية بعد كل ذلك ومن خلال وضع الخطط والمقترحة من قِبَل البنتاجون الأمريكي تسعى إلى:

-   إفشال كل محاولات التدخل الروسي في الساحة السورية في كل من

أ‌)       على الصعيد السياسي ومصالحة المعارضة مع النظام وعقد مؤتمرات المصالحة في (الإستيانا)، بايعازها للمعارضة بعدم المشاركة ودفعها لمهاجمة الموقف الروسي واتهامه بعدم الحيادية والتغني بالإنجازات.

ب‌)  على الصعيد العسكري تقوم الولايات المتحدة ظاهرياً بتجنب الاحتكاك مع القوات الروسية الموجودة على الأرض في الساحة السورية بينما تطلق ايادى اسرائيل لضرب سوريا بالطيران لصالح المعارضة السورية المسلحة ، مما دفعها بالرد على الهجوم الامريكي الأخير على سوريا والتي انكشفت من خلاله النوايا الحقيقية للتوجهات الامريكية ، والساعية الي هز الثقة في الامكانيات العسكرية الروسية لحماية النظام السوري وتقوية ودعم الجيش السوري.

ت‌) ومن خلال أيّ احتكاك عسكري امريكي مع أيّ من القوى السورية أو الإيرانية او قوات حزب الله قد يؤدي ذلك الي احتكاك اكبر و آخر مع القوات الروسية المستنفرة الان تحسباً لأيّ احتمالات فى ظل نجاح الإدارة الأمريكية بالتأثير على المعارضة بالتوصل من إتفاقات وقف إطلاق النار مع النظام السوري وبدء شن هجمات ضد مناطق نفوذه لغرض الترويج والتسويق الإعلامي عن ضعف النظام ، وقد تُرجم ذلك عملياً فى الهجوم الفاشل  لقوات المعارضة على أطراف مدينة دمشق ٠

-    ضرب القوات الإيرانية المتواجدة في الساحة السورية بعد أن تكون الإدارة الأمريكية قد أظهرت سيناريو تعرض قواتها في منطقة الرقة لنيران القوات الإيرانية مما قد يؤدي للاشتباك المسلح بين القوتين ، يتطور الي مربعات اوسع في الإقليم قد تمتد الحالة الانتقامية من كلا الطرفين الي ضرب قوات بعضها في ساحات أخرى( كساحة الخليج العربي- والساحة الايرانية نفسها ، لترد إيران انتقاماً في الساحة السعودية ،  ودول الخليج  ، واسرائيل).

-   وفي خضم فوضى السلاح والحرب القائمة ستقوم قوات المعارضة السورية بدعم واسع من القوات الأمريكية المتواجدة في الأراضي السورية والبحر الأبيض ومياه الخليج بتنفيذ المخطط الرئيسي وهو الإنقضاض على النظام السوري وتدمير جيشه وتفكيكة ، ومن ثم البدء في الحديث عن حل سياسي في سوريا بعد أن يكون النظام قد انهك وأصبح الدور الإيراني والروسي في المنطقة شبه معدوم ٠

ويبقى السؤال الاهم للفلسطينيين وهو في ظل هذا السيناريو المشابه لسيناريو الحرب على العراق، هل سيكون الحال بالنسبة للوعود الأمريكية بحل الدولتين كما كان عند الرئيس بوش الابن والرئيس أوباما.


كل الدلائل تشير وتؤكد أن كل السياسات الأوروبية  والأمريكية هي تبادل الادوار والمحرك الرئيس لها الصهيونية العالمية وعلينا أن نُعيد دراسة واقعنا العربي وامكانياتنا البشرية والمادية وتطلعاتنا الي مستقبل يضمن لنا الحفاظ على كرامتنا كعرب ومسلمين بعيداً عن المزايدات والاتهامات. 

التعليقات