المسار ميديا المسار ميديا
recent

اخر المواضيع

recent
recent
جاري التحميل ...
recent

المسار في لقاء مطول وخاص مع الكاتب والأديب زياد جيوسي





 وهو من رواد الثورة العنكبوتية ويكتب بأسلوب شيّق وجذّاب، ترافقه عدسته المتمردة مع القلم عبر سنوات طويلة وقدرته على إبراز التراث والأماكن التراثية الأثرية وهويتها من خلال حديثه عن الذاكرة والمكان، والذي يثير الشجون والذكريات لمن عاشوا وعاهدوا هذه الأماكن من خلال سلسلة صباحاته "صباحكم أجمل" التي خصّصت للحديث عن يوميات رام الله في البدايات وبعدها بوح الأمكنة وأهمية الحفاظ على المقتنيات الأثرية والتراثية والاهتمام بها من أجل تخليدها في الذاكرة و سعيه الدؤوب للبدء بخطوات جدّية وعملية للحفاظ على التراث وتعريف الأجيال القادمة بإرثنا الحضاري . يعتبر الكاتب و الأديب زياد جيوسي من أوائل نشطاء الشبكة العنكبوتية في فلسطين حيث أنشأ في عام 1998 مجموعة رام الله للثقافة والفنون وتعتبر أول مجموعة فلسطينية ثقافية حققت انتشارا واسعا في العالم وذلك لإيمانه بأهمية التكنولوجيا والانترنت في النشر و التوثيق، وكان من مؤسسي اتحاد كتاب الانترنت العرب عام 2005 وترأسه لفترة، ومن مؤسسي فرع فلسطين اضافه لدوره في المؤسسات الثقافية الفلسطينية، فساهم بتأسيس مركز خليل السكاكيني وترأسه، وكان عضو هيئة ادارية لمسرح عشتار، وساهم في احياء جمعية السينما الفلسطينية، وعدة مؤسسات أخرى، وعلى المستوى العربي كان له دور كبير في مؤتمرات الايام العربية لأمن وسلامة المعلومات (المرصد العربي) وشارك بكل المؤتمرات التي عقدت والتي بلغت خمسة مؤتمرات في بيروت وتونس والأردن، رفض الاحتلال منحه الهوية الفلسطينية من نهاية 1997 تحت بند دواعي أمنية، ولكنه رفض مغادرة الوطن حتى نال الهوية الفلسطينية في أواخر آذار عام 2008، فأتيح له أن يخرج من مدينة رام الله بعد حصار أحد عشر عاما.

- زياد جيوسي.. اسم غني عن التعريف، فهل لخصت لنا تعريفك لهذا الاسم؟

زياد جيوسي، انسان بسيط، فلسطيني الهوية، عروبي الانتماء، مسلم العقيدة، درست الدراسة الجامعية الأولى في بغداد وانهيتها عام 1976، لأكمل دراساتي في الاردن للمستويات الأخرى، متزوج ولدي ابنة و3 شباب وحفيدتين وحفيدين وأحلم ان يكتمل عدد الأحفاد والحفيدات الى 16 فرد، متزوج من السيدة ختام جيوسي ابنة عمتي، وقد ارتبطت بها أثناء وجودي بالمعتقل بدون أن اعرفها ولم أراها ابدا سابقا، ورأيت اول صورة لها بعد شهر من عقد القران، واستمرت خطوبتنا عامين كاملين حتى خرجت من الاعتقال بعد توقيف بدون محاكمة استمر خمسة سنوات تقريبا بدون أن التقيها، وبمجرد خروجي من المعتقل حضرت الى حيث اقيم فرأيتها الأحد لأول مرة في حياتي وتزوجتها الجمعة تحت المطر في اليوم 28 من معانقتي شمس الحرية، وسعيد بها والقبها دوما سيدة نساء الارض وشجرة اللوز الأخضر.

- بين العدسة و الورقة .. أين تجد نفسك زياد جيوسي ؟؟

الحقيقة أن القلم رافقني قبل عدسة التصوير بسنوات طويلة، فكان وسيلة التعبير عن نفسي، عن مشاعري، فتعلمت أن أرسم بالكلمات قبل أن أمتلك عدسة التصوير التي كان امتلاكها حلما ليس بالسهل تحقيقه، فالقلم كان ولم يزل الوسيلة الأكثر في التعبير عما يدور في ذهني، بينما العدسة هي توثيق اللحظة بالصورة، ومن هنا كان لكل منهما دوره في التعبير عن روحي ونفسي، وإن ما زلت أعتبر القلم هو الأكثر تعبيراً عن روحي، فالمشاعر والانفعالات يعبر عنها القلم أكثر، فمثال لذلك: حين كنت أتجه إلى بلدتي جيوس ذات مرة وحُشرنا على حاجز خربة جبارة من قبل الاحتلال ساعات طويلة في حر شديد، التقطت بعض الصور للمنطقة، لكني أفرغت شحنات الغضب بمقال أدبي بعنوان "عائد إليها"، تحدثت فيه عن المعاناة والألم والشوق للقاء جيوس، ومرة ثانية حين كنت عائداً من عمّان إلى رام الله، وأغلق الاحتلال المعبر وبقينا في الحافلة ست ساعات متصلة إلى أن وصلت رام الله، وكان قد مضت إحدى عشرة ساعة من لحظة مغادرتي عمّان ، أفرغت ما بداخلي من معاناة وتعب، وما رأيته في وجوه الأطفال والنساء والشيوخ، في نص أدبي تماهى بين نثر مني ونصّ شعري لشاعر، بعنوان "أسميك حلما وأنتظر ليلي"، بينما في المقابل حين عدت إلى رام الله بعد غياب قسري استمر ثلاثين سنة، كنت أتلمس بأصابعي حجارة رام الله، فتهمس لي بحكايا عشق الجدات، ووجدت التغير الذي شهدته وتشهده رام الله، والمباني التراثية القديمة التي عرفناها وقد بدأت بالتلاشي. كانت عدسة التصوير هي المعبّر عما أصابني من ألم، فبدأت في جولات تصوير توثيقية لتلك المباني والدروب والشوارع والأزقة، وصورت عبر فترة زمنية وما زلت أواصل ذلك مئات الصور الفنية، شاركت بقسم منها في معارض في دمشق والقاهرة، ولعل المعرض الأهم كان معرض "صباحكم أجمل"/ رام الله. هذا المعرض أَدين به بالكامل لمركز وجاليري "رؤى" في عمان ومديرته السيدة سعاد العيساوي، فهي التي اقترحت وتبنت الفكرة بالكامل مادياً ومعنوياً وإعلامياً، وكان معرض شهِدت له وسائل الإعلام في الأردن، وأجريتْ معي عشرات المقابلات على إثره، وما زال في ذاكرتي منظر الدموع التي انسابت من عيون الكثير من زوار المعرض، خصوصاً مَن عرفوا رام الله قبل الاحتلال ولو بزيارة، وكان زوار المعرض لا ينقطعون حتى أن المعرض مدد عن الوقت المحدد له عدة أيام. 

- تكتب نصوصاً تشبه البوح و الوجدانيات و بعيدة عن القصة و الرواية كبنية .. أرجو أن تشرح لماذا اخترت هذا النوع من الأدب في التجنيس ؟؟

في الواقع المسألة لم تكن خيارا ذاتيا، فأثناء انشغالي بالعمل السياسي لم أكن أنشر كتاباتي الأدبية الا ما ندر، وكنت انشر ابحاثا ودراسات، وفترة كنت أنشر تحليلا سياسيا أسبوعيا، ورغم اهتمامي بالأدب من خلال القراءة وخاصة الشعر والقصة القصيرة والرواية، إلا أني كنت أفرغ ما بداخلي في نصوص أحفظها في أوراقي، ضاع منها الكثير في رحلة الشتات والمعتقلات والبحث عن الوطن، وبقي كم لا بأس به كنت أصنفه أنه نزف ليلي للروح، وهي تعابير وجدانية نابعة من الروح لم تكن معدة للنشر، وحين كان بعض الأصدقاء يقرأون بعضها في صومعتي أو عبر التراسل كانوا يلحون عليّ  بنشرها كنت أقول لهم: حين تأتي مليكة سبأ وتفك القمقم ستخرج الأطياف محلقة في فضاء الكون، وحين أتت اخترت بشكل عشوائي 75 نصا منها ونشرتها، وبقي في ظل الغياب حوالي 150 نصا ربما تحلق ذات يوم، ومن الجدير بالذكر أن دار النشر صنفت الكتاب كشعر، ولكني رفضت ذلك وأخترت تعبير (وجدانيات)، وخارج هذا النمط من الكتابة فأنا أكتب في النقد الأدبي والسينمائي وبشكل خاص في السينما الفلسطينية والنقد المسرحي والفن التشكيلي، وقد أصدرت كتابي فضاءات قزح بدعم من وزارة الثقافة الأردنية، وهو كتاب لقرائاتي النقدية في المعابد السبعة في عوالم الأدب والفن،والكتابين صدرا عن دار فضاءات للنشر والتوزيع في الأردن، والتي تربطني بها علاقة وجدانية خاصة، وإن كانت كتاباتي عن ذاكرة الأمكنة وبوحها تأخذ معظم جهدي والنسبة الأكبر فيما أنشره على شكل مقالات، ورغم أني كتبت الشعر إلا أني لم أجد نفسي فيه فأبقيت ما كتبته في دفاتري القديمة، ولم أحاول كتابة القصة والرواية، رغم أن العديد من الأصدقاء النقاد يرون أن الرواية والقصة موجودة بداخلي، لكن أجد نفسي حقيقة بالمقال الأدبي النقدي أو ذاكرة الأمكنة وبوحها.
اهتمامك المتميز بالكتاب والمبدعين الناشئين ملفت للنظر، حتى أن كتابك الأول (فضاءات قزح) كان عنهم وابداعاتهم، ما السر بذلك؟
المسألة بسيطة جدا، اشعر بهم امتدادنا للغد واللبنة في الصرح الثقافي العربي بعموميته والفلسطيني بخصوصيته، ولذا كان اهتمامي وتشجيعي لهم والكتابة عنهم، فليس منا من ولد من رحم امه وهو يعتلي الابداع، فالكل يمتلك موهبة ما لكنها تكون بحاجة لصقل وتوجيه، وهذا ما اعتبره بعض من رسالتي التي اؤمن بها، وارفض السلوك الذي يتجه لقمعهم، فهم وكما قلت: امتداد لنا كما نحن امتداد لمن سبقنا.

- العمل السياسي كيف انعكس على أدائك الأدبي ؟؟

العمل السياسي لم يترك أثرا على أدائي الأدبي إلا من زاوية أني كنت أرى به وسيلة للوصول إلى الوطن، لذا كان الوطن جزءا لا يتجزأ من أي نص أدبي كتبته، ولكنه في المقابل وبسبب تربية حزبية أبعدني عن الأدب والكتابة فيه فترة طويلة، بينما حين طلقت العمل الفصائلي انطلقت وحلقت في عالم الكتابة الأدبية، فالعمل الحزبي الفصائلي أشعر به قيدا لروح الكاتب، فأذكر مرة أنني رسمت لوحة تشكيلية في السبعينات، واجتمعت قيادة الاقليم وقررت اعدام اللوحة ضمن رؤية الرفيق المسئول أن اللوحة تعبير سياسي مخالف لرؤية الفصيل، وفعلا تم تنفيذ حكم الاعدام باللوحة، فكيف يمكن لهذه الادوات التي فشلت بكل برامجها وضمن هذه العقليات المتخلفة والمغلقة أن تترك أثرا ايجابيا على من هو عضو بالفصيل ولديه الموهبة الأدبية؟ وهذه الحادثة تركت في داخلي ألما كبيرا لعب دوره فيما بعد باتخاذ قراري بالابتعاد، وخاصة حين بدأت اشعر أن القيادات تريد الوطن في خدمة الفصيل وهذا يخالف قناعاتي بأن الفصيل يجب أن يكون في خدمة الوطن، ورغم أني لست نادماً على تلك الفترة التي بين العام 1968 وبداية العام 1994، إلا أني اعتقد أن نسبة لا بأس بها من الأشخاص القائمين على الفصائل، كانوا يفتقدون الثقافة والتطور الفكري والوعي، ولذا لم يكونوا يسمحون بالإبداع، ويعتبرون أن أي كتابة أو عمل فني يجب أن تصب فقط في خدمة الفصيل وبشكل أدق خدمتهم، وما عدا ذلك فهو مرفوض.

- ماذا يعني أن تكون أديباً فلسطينياً ؟؟

اؤمن تماما أن الأديب بغض النظر عن هويته الوطنية يجب أن يكون صاحب رسالة، فكيف حين يكون فلسطينيا وطنه محتل وتمزقه الصراعات الفصائلية إضافة لكل ما يمارسه الاحتلال القذر؟ لذا آمنت وما زلت وسأبقى مؤمنا برسالة الوطن وأن قلمي وعدستي وروحي جنود في خدمة وطني وشعبي.

- ما هي وظيفة الأدب كما تفهمه زياد جيوسي وما هي وظيفة الكاتب أو الأديب و مكانته في مجتمعه ؟؟

لم أؤمن يوما أن الأدب من أجل الأدب وأن الفن من أجل الفن، فقناعاتي المطلقة والتي لم تتغير عبر سنوات عمري أن الأديب والكاتب والفنان يجب أن يكون صاحب رسالة مقدسة من أجل خدمة شعبه ووطنه وقناعاته، ولذا يجب أن يكون رائدا من رواد مجتمعه، وأن تكون ممارساته وحياته متماهية مع دوره وابداعه، بدون أن ينتظر المقابل، فكم من المبدعين عانوا في حياتهم ولكنهم تركوا اثرا كبيرا في مجتمعاتهم، والكثير اضطهدوا في حياتهم ولكن خلدوا وكرموا بعد وفاتهم، فمكانة الأديب بمقدار ما يكون منصهرا مع مجتمعه ووطنه.

- البحث عن الحب و الوطن هو ما يتناهى إلى من يقرأ نصوصك .. لماذا يسبق هذا الشعور أي شعور آخر ؟؟

كان الوطن وما زال مغروسا في روحي منذ البدايات ومنذ تفتح عيناي، فوالدتي رحمها الله كانت مثقفة وقارئة ومناضلة نقابية في فترة من فترات حياتها، ووالدي كان قوميا عربيا وناصري الهوى، وهذه البيئة الأسرية مع توفر الكتب والمجلات دوما في البيت لعبت دورا كبيرا في حياتي، فكنت ومنذ طفولتي أخرج لتأمل الطبيعة والأرض والأزهار، الأزهار هي عشق خاص في حياتي خصوصاً الياسمين، أتمتع جداً وأشعر بروحي محلقة وأنا أتأمل الورود وأتنسم عبقها، ويزداد حبي لها حين أراها في حديقة أو في الطبيعة، لا أحب الأزهار المقطوفة أو المدجنة في البيوت البلاستيكية فهي تفقد عبقها، أحبها على طبيعتها وفي بيئتها الفعلية، فهي تروي الروح وتجعلني دوماً أسبح الخالق الذي منحنا هذا الجمال، والجمال في كل الحياة حالة خاصة من العشق، فدوماً أبحث عن الجانب الجمالي في أي شيء أراه، لذا كنت دوماً متصالحاً مع نفسي، وأرى أن الحياة بدون حب ولا أزهار تفتقد كينونتها، وباستمرار كنت وما زلت أقول إن كتاباتي قائمة على مثلث متساوي الأضلاع: الوطن والجمال والحب ، والعلاقة بين الوطن والأزهار والحب علاقة متكاملة، فمن لا يعرف الجمال وعبق الورود لا يمكن أن يعرف الحب، والحب حقيقة بعض من أشكال وطقوس العبادة، اسمى أشكال الحب حب الوطن، لذا أجد نفسي وأنا في هذا العمر ما زلت أعيش قصة حب مستمرة، حب لا يعرف التوقف أبداً، وربما هذه الأقانيم الثلاثة في حياتي من تجعل الابتسامة لا تفارق وجهي في ظل أقسى الظروف، وتجعلني دوماً مقاوماً لكل ما يمكن أن يقف عقبات في طريقي.. ما أجمل الحياة وهي تقوم في أرواحنا على الحب.. الحب لكل شيء رائع وجميل، الحب بكل أشكاله هو ما يمنحنا إنسانيتنا دوما.. والأزهار رافقتني منذ الطفولة، فما زلت أحتفظ بأزهار جففتها وألصقتها على ورق مقوى وأسميتها بأسماء فتيات، وهي تعود لطفولتي ما قبل العام 1967، وأحتفظ بها في علبة بسيطة، وإن تأثرت بعوامل الزمن إلا أن بقاياها موجودة... لذا لا أكره في حياتي سوى الظلم بكافة صوره، أكره الاحتلال لأنه ظلمنا وسلب أراضينا، وما عدا ذلك فلا أكره شيئاً.

- كيف تجد الحركة الأدبية في فلسطين ؟؟

 تميز الوضع الثقافي في مدينة رام الله عن باقي المدن الفلسطينية والضفة الغربية، في ظل الانتفاضة الأولى والاحتلال، حيث كانت تعاني الثقافة من مجموعة كبيرة من الضغوط التي وصلت حتى المكتبات العامة، إذ كان الاسرائيليون يستقصدون الإغارة على المكتبات لضمان عدم وجود أي كتب مخالفة، ناهيك عن منع تمرير أي كتب عبر الحدود، لكن في مدينة رام الله منذ تأسيس السلطة الفلسطينية بدأت الحركة الثقافية بتأسيس مجموعة من المراكز والمؤسسات الثقافية والفنية مثل: مركز الفن الشعبي، المركز الثقافي الفرنسي والألماني، مركز خليل السكاكيني الثقافي، مسرح عشتار، مسرح وسينما القصبة، مؤسسة عبد المحسن القطان، وقصر الثقافة الذي تأسس بدعم ياباني، وبعدها متحف محمود درويش، وبالتالي هناك نشاط أدبي وفني وثقافي وسينمائي شبه يومي في رام الله. 
فهناك حركة أدبية قوية وكل عدة أيام نسمع عن ندوات وأمسيات أدبية وحفلات توقيع كتب، لكن ورغم الجهود المحدودة للاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين، لا نجد إطارا يجمع ويوجه هذه الحركة،  فالمشكلة انه في ظل نمو الثقافة وزيادة حركتها، ما زال المثقف غائبا عن دوره في الوضع العام والوضع السياسي بعمومه، إذ في ظل الصراع السياسي والتركيز على الشأن الداخلي، لايوجد لهم دور كرافعة لعملية الوعي والتوجيه في أوساط الشعب، إضافة للضعف الكبير في الجانب الرسمي في دعم الأدب والأديب والكاتب والمبدع.

  - كيف ترى دور و أداء المؤسسات الرسمية الفلسطينية وزارة الثقافة ووزارة السياحة و الآثار والجهات الرسمية ذات الاختصاص ؟

اختصر وأقول: في المؤسسات الرسمية الفلسطينية وخاصة وزارتي الثقافة والسياحة والآثار، هناك أشخاص جيدون ويريدون العمل ولكن هناك حيتان تقف في وجوههم وتحبطهم، وهناك وزراء ومسؤولين علاقتهم بمواقعهم كما علاقة جدتي رحمها الله بعلوم الفيزياء النووية، وقد التقيت كل من تسلموا وزارة الثقافة كوزراء، والتقيت العديد من وزراء السياحة، والتقيت رؤساء وزراء، ولم أجد أي تعاون وخاصة في مشروعي الكبير لتوثيق بوح الأمكنة في فلسطين والذي كنت وما زلت اقوم به بجهد شخصي متحملا كافة تكاليفه من جيبي الشخصي منذ بدايات 2004 موحتى الآن.

-هل كان الأدب معبِّراً عن القضية الفلسطينية ؟؟

أدباء فلسطين ومبدعيها وشعراءها ومنذ بدايات القرن الماضي كان الأدب وسيلتهم في التعبير عن القضية الفلسطينية وعن أرواحهم، ونادرا أن يخلوا ابداع من القضية بشكل أو آخر، والكثير من الأدباء حملوا البندقية بيد والقلم بيد، والكثير منهم استشهدوا وجربوا المعتقلات والأسر وشاركوا بالمعارك، ومن هنا أستطيع القول أن الأدب عبر كثيرا عن القضية الفلسطينية، ومن يقول عكس هذا فهو غير مطلع على دور الأدباء وأصحاب القلم منذ بدايات القرن الماضي، وبكل أسف أن الكثير من الأسماء ما زالت مجهولة عند الكثيرون، وأذكر أني وفي بدايات الستينات وأنا طفل قرأت ديوان (الضائعون) للشاعر رجا سمرين أهداه لي جدي لوالدتي رحمه الله وما زلت أحتفظ به، وفي هذا الديوان تأثرت كثيرا بدعوة الشاعر للشعب الفلسطيني أن يثور ضد الاحتلال ويفجر الثورة، وكان يتنبأ بأفق يغص بالثوار، (ألا ايها الضائعون الأباة.. أفيقوا أفيقوا كفاكم سبات/   أرى الأفق قد غص بالثائرين.. لنيل الحقوق وسحق الطغاة).. فهل مثل هذا من شعر مقاوم؟

- تطوف المدن و القرى الفلسطينية في رحلة توثيقية .. في البداية سأسألك لماذا تفعل ذلك ؟؟ و ثانياً .. ماذا يضيف لك ذلك على المستوى الأدبي ؟؟

الوطن يأسرني والأبنية التراثية تسلب لبي منذ كنت طفلا، وكلما أتيح لي أن أتجول في الامكنة يرافقني قلمي وترافقني عدستي للتصوير، فصورت الآف الصور في مناطق مختلفة في الوطن الأصغر فلسطين، إضافة للوطن الأكبر وطننا العربي مثل سوريا والقاهرة وتونس والأردن الجميل، وألقيت محاضرات واقيمت لي عشرات الندوات عن تلك الزيارات مع عرض الصور، فهذه المسالة اضافة لعشقي لها منذ الطفولة، مسألة وطنية في محاولات تغييب الوطن من ذاكرة الأجيال الناشئة، وكل هذه الجولات وثقتها بكتابة مقالات أدبية تحت سلسلة "صباحكم أجمل"، تحدثت فيها عن الأماكن بأسلوب أدبي مرفقاً صوراً أشعر بروحي فيها، فالفارق ما بين المصور والفنان الفوتوغرافي، أن الأخير يضع روحه في اللقطة بينما المصور الفوتوغرافي يضع إبداعه التقني باللقطة، وما زال في القلب غصّة أنه لم يتاح لي التجوال في باقي مناطق الوطن وتوثيقها صورة وكلمة، فعدم وجود سيارة خاصة يعيق تنفيذ ما أحلم به، إضافة للتكاليف التي أتحملها من جيبي الخاص، ومع هذا كلما سمحت لي الظروف  أتجول في أمكنة الوطن وخارجه حاملا حقيبتي الصغيرة وقلمي وعدستي على عاتقي الستيني من أجل التوثيق بالعدسة والكلمة، خصوصاً أنني أعشق الأماكن التي توجد بها مبان تحمل حجارتها حكاية، المباني القديمة التي أشعر بها تهمس لي وتروي حكاية الأجداد وقصص عشق الجدات، وهذا كله أضاف لي الكثير على المستوى الأدبي، فالأدب بدون تجديد وتراكم المعلومات سيبدأ يكرر نفسه، وأنا اتجدد في كل عمل جديد لي.

- هل يستطيع الأدب أن يقول ما فشلت به السياسة فلسطينياً ؟

أعتقد أن الجواب نعم، فالكتاب والأدباء الفلسطينيون لعبوا دورا كبيرا في التعريف على القضية الفلسطينية، بينما الأطر السياسية فشلت والأدوات التي فشلت في البرامج السياسية السابقة ما زالت هي نفسها الأدوات التي تسير في البرامج اللاحقة والتي فشلت بها ايضا، وهم ما زالوا على طريقة أسيادكم في الجاهلية أسيادكم في الاسلام، وهذه الأدوات الجاهلة والتي لا علاقة لها بالأدب والثقافة كيف يمكن لها أن تخدم القضية الوطنية؟ ومن هنا كان دور الأدب والإبداع أقوى بكثير ونجح حيث فشل السياسيون..

- من أوائل من استخدم الشبكة العنكبوتية عربياً زياد جيوسي .. اليوم ما هي أدوات الكاتب العربي ؟؟ و كيف يلزم تسخير هذه الشبكة لمصلحة الأدب ؟؟ وتم تأسيس اتحاد كتاب الانترنت العرب.. حدثني عن هذا المشروع الذي لم يكتمل ؟؟

 علاقتي مع الشبكة العنكبوتية كانت منذ فترة طويلة، وكنت وما زلت أرى في هذه الشبكة ثورة رقمية في وسائل الاتصال والنشر، ففي مراحل التاريخ تطورت وسائل الكتابة والاتصال، من أسلوب النقش على الصخور والألواح الطينية مروراً بالكتابة على العظام وجلود الحيوانات، حتى الوصول إلى ورق البردي ومن ثم الورق، وحين اخترعت المطبعة مثلت ثورة ورقية هائلة ساهمت بانتشار الثقافة وتوفرها بين أيدي القادرين على امتلاك الكتب الورقية، والآن نحن نمر في مرحلة الثورة الرقمية من خلال الشبكة العنكبوتية، التي أحالت العالم إلى كرة صغيرة بيد متصفحي هذه الشبكة، وكان من الطبيعي أن أسلوب النشر بدأ بالاختلاف عما سبق، فظهرت الصحافة الالكترونية والكتب الالكترونية، وتوفرت لكل راغب بالمتابعة والثقافة والقراءة، وقد قمت ومنذ البدايات بتأسيس مجموعة رام الله للفنون (رام الله آرتس) والتي كانت أول مجموعة بريدية فلسطينية عبر الشبكة العنكبوتية، ضمت بين أعضائها الآف الأعضاء ونسبة كبيرة منهم من الكتاب العرب، فساهمت بخلق حالة من التواصل بين أبناء فلسطين وأدبائها وبين المحيط العربي، وساهمت بالتعريف على العديد من الكتاب الشباب والفنانين الشباب أيضاً، فالعديد من الكتاب الشباب بدأوا بالنشر من خلال هذه المجموعة، والآن أصبح لهم مكانة جيدة في عالم الثقافة والأدب، من هنا كانت إطلالتي شبه اليومية من خلال الشبكة العنكبوتية، وهذه التطورات الهائلة في وسائل الاتصالات وفرت وسائل جديدة للكاتب والمبدع للانتشار والنشر، وأصبح بالإمكان تسخير الشبكة العنكبوتية للنشر والتواصل الثقافي في حال استخدامها بشكل صحيح، وأصبحت المواقع الالكترونية وصفحات الأدباء والمبدعين عبارة عن صحيفة يومية لنشر ابداعهم وتواصلهم مع القراء، ولم تعد سيطرة المحرر الثقافي أو رئيس التحرير أو العلاقات الشخصية هي التي تسمح للكاتب بالنشر أو عدم النشر في الصحافة الورقية، ومع هذا ما زلت أعتقد أن هذه المرحلة لا يمكن أن تغني عن الكتاب الورقي الذي تربطني به علاقة حميمية يومية، فما زلت أقرأ الكتب الورقية وأحرص على امتلاكها وأنشر كتبي ورقياً، وقد صرحت بذلك في كافة المقابلات الصحفية والإذاعية وعبر الشاشة التي تمت معي، فالقراءة عبر الشاشة ما زالت متعبة للنظر، وبالتأكيد سنصل إلى مرحلة يكون فيها اختراع قارئ الكتروني يوفر التعامل مع القراءة بشكل مختلف، وربما عندها وهذا سيحتاج لأجيال، تصبح الشبكة الالكترونية ومنشوراتها تغني عن الكتاب الورقي، وفي مشاركتي منذ المؤتمر الأول لأمن وسلامة المعلومات في الفضاء السيبراني/ الأيام العربية، ومن خلال المرصد العربي، حرصت أن أقدم أوراق عمل حول هذه المسائل واعتمد الكثير مما طرحته في توصيات المؤتمرات،
بعد ذلك ساهمت مع العديد من الكتاب العرب ومنهم من فلسطين بشكل خاص الشاعر عبد السلام العطاري، وعلى المستوى العربي د. محمد سناجلة من الأردن والكاتب مفلح العدوان، وأحمد فضل شبلول ود. سيد نجم من مصر، وماجدولين الرفاعي من سوريا، ومحمد معتصم من المغرب، والعديد من مختلف أرجاء الوطن العربي بتأسيس اتحاد كتاب الانترنت العرب العام 2005، كما ساهمت بتأسيس فرع فلسطين للاتحاد مع مجموعة من الكتاب والشعراء في فلسطين منهم الشاعر محمد حلمي الريشة، والشاعر عبد السلام العطاري، والفنانة والكاتبة سناء لهب، ومن المؤسف أن مسيرة الاتحاد التي بدأت قوية وحصلت على اعتراف ورعاية من وزارة الثقافة في الأردن وأصبح الأردن مقرا للأمانة العامة للاتحاد، كما حظي الاتحاد على اعتراف العديد من الدول العربية وعقد مؤتمره الأول، وبدأ يشارك ويلعب دورا على المستوى العربي، لكن مع تغير هيئاته الادارية وتقاعس بعض الأعضاء فيها بالقيام بدورهم، والأحداث السياسية التي سادت في الوطن العربي وخاصة في مرحلة ما سمي بالربيع العربي، بدأت الخلافات تنعكس على الاتحاد وعلى طبيعة دوره، مما أدى لتجميد نشاطات الاتحاد الرسمية وأصبح الدور مقتصرا على ما يقوم به بعض أعضاء الاتحاد بشكل شخصي، وقد قمت أنا وبعض أعضاء الاتحاد بتمثيل الاتحاد في العديد من المؤتمرات التي لها علاقة بالثورة العنكبوتية، لكن بعد انتهاء فترة الهيئة الادارية الأخيرة وعدم عقد انتخابات جديدة، دخل الاتحاد في مرحلة سبات وإن كانت المحاولات جارية لبث الحياة في شرايينه بشكل جديد.

- يلاحظ في كتاباتك دوما عشق لمدينتين: رام والله وعمان، ما الذي تعنيه هاتين المدينتين لك؟

 ولدت في مدينة الزرقاء الأردنية وهي مسقط رأسي لكنها في الحقيقة لم تترك شيئاً في ذاكرة الطفولة، إذ سكن أهلي بعدها في عمان ومن ثم الكرك. في ذاكرتي البدايات هي في مدينة الكرك، وهي ذاكرة مثل الخيال لطفل في الثالثة من عمره، بعدها ارتبطت الذاكرة في عمان، تحديداً ذاكرتي ارتبطت بحي الملفوف في جبل عمان، وقبلها في حي خرفان ثم الأشرفية. أكثر المشاهد ارتباطاً بروحي وأولها سيل عمان، الذي كنا نطل عليه من بيتنا، وتحديداً فترة فيضان السيل، الذي كان أشبه بنهر صغير يقسم المدينة إلى قسمين، وكان انعكاس الطين وضوء الشمس عليه يترك في ذاكرتي مشهداً جمالياً متميزاً، لم أكن أدرك أن ما أراه هو الطين. بذاكرة الطفل كنت أرى أن الشمس تنزل لتستحم في السيل فتعطيه لونها وأشعتها، فهذه بوابة الارتباط العقلي بالمكان، وارتباطي بعمان بشكل أساس، ومن هنا بدأت أسميها عمان الهوى.. ولم يتوقف العشق لعمان عموماً ولجبل الأشرفية خصوصاً الذي ترك في روحي وقلبي ما تركه من أثر.
أما رام الله فهي المدينة التي سكناها بعد انتقالنا من عمان 1962 - 1963، ودرست فيها لأربع سنوات متتالية، مدينة جميلة جداً تتميز بوجود كم كبير من الأشجار فيها، وهوائها المعتدل البارد، وتأثير المدرسة والمدرسين العظام. تركت رام الله بعد نزوحنا القسري بسبب الاحتلال العام 1967 ذكريات طفولية لا تنسى، وكان الحلم أن أرجع إلى رام الله حتى عدت لها العام 1997. رام الله أيضاً أقمت فيها بعد عودتي أحد عشرة سنة متواصلة، دون أن أغادرها لسبب قسري وهو الاحتلال الذي منعني من الحصول على هوية فلسطينية ووصل الرفض إلى ستة عشر مرة، ولم أحصل على هويتي الفلسطينية إلا في آذار 2008، ومن هنا كان العشق للمدينتين رام الله وعمّان، فكانت عمان مدينة الهوى ورام الله مدينة العشق والجمال، وفي كتاباتي بالكاد تخلو الإشارات للمدينتين خصوصاً رام الله التي كتبت عنها عشرات النصوص، وكنت وما زلت أشبهها بحورية جميلة تسدل شعرها الأسود على رأسي كل مساء فأتأمل وجهها القمري، وأضم خاصرتها وأراقصها تحت ضوء القمر، وما زلت في كتاباتي وأحاديثي أصف المدينتين برئتي القلب يفصلهما نهر مقدس، فقد كانت عمان ورام الله عبر الزمن رئتي اللاتي أحملهما في صدري، أحملهما معي في حقائب سفر القلب وفي حلي وترحالي، فأتاحتا لي اكتشاف منابع الجمال في الروح والمكان، فلربما تنفست من خلالهما أكثر من غيري.. وحين كبرت عشقت دمشق وبغداد التي كنت اسميها معشوقتي العربية السمراء، وكنت دوما أشير لمعشوقاتي الأربعة، وفي سن متقدمة زرت القاهرة وعشقتها ثم سكنت قلبي تونس، وخلال جولاتي في الوطن بدأت بلدات الوطن تشارك رام الله العشق والحب، وإن كانت وما زالت رام الله سيدة المعشوقات.

-  "السنديانة العتيقة"،"المشاهد الأول"، "الأب الروحي للثقافة"، "سفير فلسطين للثقافة والإعلام"، "صديق المسرح".. سادن التراث، سادن رام الله وحارسها، ابن بطوطة فلسطين أي تلك الألقاب التي أطلقت عليك الأقرب إلى قلبك؟ لماذا؟

كلها القاب أعتز بها وبمن أطلقها عليّ، وإن كنت أفضل منها (السنديانة العتيقة)، فهي ترتبط بالأرض وامتداد جذورنا فيها كالسنديان العتيق، إضافة إلى أني استخدمت هذا التعبير كثيراً في كتاباتي خصوصاً في نصوص كتابي (أطياف متمردة).

- ما الذي تطمح بتحقيقه من وراء كتاباتك ؟ 

  طموحي بسيط جدا، أن اساهم ببناء ولو لبنة في صرح الثقافة العربية والفلسطينية، واسعى لأن أعرف على وطننا وتاريخه وان اساهم بمقاومة التغريب الذي يتعرض له ابناؤنا جيل اثر جيل من الأطفال لينسوا وطنهم، لذا أكتب لأجيال لم تعش ما عشناه بعد.

- الرومانسية في كتابات زياد الجيوسي من يقف خلفها ؟ وهل ترى تجاوب معها في فلسطين ؟ 

المسالة بسيطة جدا، انا اعتبر حياتي كما اسلفت سابقا قائمة على مثلث متساوي الأضلاع: الوطن والحب والجمال، ومنذ طفولتي أعشق التجوال والطبيعة والجمال والورود، وكل هذا اضافة لقرائاتي بالأدب منذ الطفولة هي التي جعلت الاحساس بالجمال المسيطر على حرفي، وحقيقة أجد تجاوبا كبيرا مع نصوصي الوجدانية حتى أن كتابي أطياف متمردة طبع أكثر من طبعة، ويشارك بمعارض الكتاب العربية وتباع كل نسخه لصالح دار النشر، وهذه الأحاسيس هي انسانية لدى القراء سواء كانوا في فلسطين أو في موريتانيا. والآن تحت الطبع كتابين لي بنفس الفكرة التي تسمونها (الرومانسية) ومن يقف خلفها هي المرأة المتمازجة بأجمل وطن والوطن المنصهر بأجمل امرأة، امرأة متمردة كمهرة برية بل مهرة برية وزهرة من ياسمين وعبق جاردينيا وزنابق برية، تتمثل بها رحلة بحثي عبر الف عام مضت، وتتمثل بها حروفي الخمسة.




التعليقات