المسار ميديا المسار ميديا
recent

اخر المواضيع

recent
recent
جاري التحميل ...
recent

الجريمة في الأردن




صبري ربيحات

 لا يوجد من بين خطوط النقل العام خط يصل بين عبدون والوحدات، ومن غير المتوقع ان تكون هناك رحلات لسكان اي منهما باتجاه الاخر. فالسكان في عبدون والوحدات مختلفون في الدخل والمهنة وحجم الأسرة والهوايات والاهتمامات واللهجة ونمط المساكن ومستوى الخدمات، وحتى في مواقفهم من اللامركزية والانتخابات البلدية والنيابية. في الوحدات لا توجد فروع لمقاهٍ أجنبية ولا مطاعم مكسيكية وصينية، فغالبيتهم يفضلون الفول المدمس الذي يعده بعناية ابو يعقوب.
المرة الوحيدة التي اقترن فيها ذكر عبدون مع الوحدات كانت هذا الاسبوع وبفعل وقوع حادثتي سطو مسلح على فرعين لبنوك تجارية أحدهما في عبدون والثاني في الوحدات.
 الوقت الفاصل بين جريمة السطو التي تعرض لها البنك في عبدون وجريمة السطو الثانية التي وقعت على بنك الوحدات لا يتجاوز 48 ساعة او اقل من مدة الإجازة الاسبوعية التي تمنح  لرجل الامن العامل في الميدان.
لسنوات طويلة كانت جرائم السطو المسلح افعالا نادرة الحدوث في مجتمعاتنا. اليوم تشكل الجريمة في الاردن احد اهم التهديدات لأرواح وأعراض وممتلكات الناس، فالسلاح منتشر بكميات يصعب حصرها، ومئات الاف الشباب يقفون في صفوف البطالة منذ سنوات، والافراد يحتاجون لسلع وخدمات اكثر مما يمكن ان توفره دخولهم، واحترام السلطات والقوانين في حالة تراجع. والمعايير التي كانت توجه الافراد للنجاح والتقدم فقدت قيمتها ومشروعيتها، وقصص الغش والرشوة وإساءة الائتمان والتقدم عبر الواسطة والمحسوبية والتجاوزات منتشرة في كل مكان.
التعاطف الذي ابداه مئات الناشطين على صفحات التواصل الاجتماعي مع الجاني مظهر خطير ويوحي بتنامي التوتر الطبقي في مجتمع ظل اهله يتشاركون في ثقافة الاحترام للقوانين والامتثال للقيم والادانة للخارجين على القواعد والمعايير ايا كانت مواقعهم وصفاتهم وتأثيرهم.
اليوم شكل فشل مجلس النواب في الوفاء بوعده المتعلق بتعطيل مساعي الحكومة لرفع الاسعار وتحميل المواطن لبرنامج تصحيح مالية الدولة، وتزامن ذلك مع غياب اجراءات حاسمة لضبط النفقات وانعاش الاقتصاد وجلب من صدرت بحقهم احكام بعضا من الاسباب وراء هذا التعاطف.
الرمزية التي تحظى بها منطقة عبدون حيث يقيم ثلث رؤساء الوزراء السابقين ونسبة كبيرة من اثرياء الاردن والمستثمرين واثرياء عرب تركوا بلدانهم بسبب الحروب والصراعات والنزاعات، لعبت دورا في اثارة  العديد ممن ابدوا تعاطفهم مع الجاني، اذ وجدوا في ذلك فرصة لتوجيه غضبهم ومشاعر الشماتة نحو الرأسمال والطبقة، معتبرين ان الجاني ينتمي الى طبقتهم.

 ظاهرة التعاطف هذه لا تخلو من دلالات خطيرة اخرى ليس اقلها ان البعض اصبح على استعداد للخروج عن صمته والسؤال عن شرعية القوانين والاجراءات ومستوى العدالة الاجتماعية وغيرها. نتمنى ان لا تمر هذه الواقعة دون مراجعة جذرية للأوجه الاجتماعية للقرارات الاقتصادية قبل ان نفاجأ بما قد لا يكون في حساباتنا القائمة! 

التعليقات