المسار ميديا المسار ميديا
recent

اخر المواضيع

recent
recent
جاري التحميل ...
recent

جورج حبش وأبي





عبد الرحيم زايد 

( جورج حبش)، بالنسبة لي كان من جيل الأجداد، عاصر عدة عصور، وعايشها، ومرت ذكرياته وحياتهُ بعدة ثورات فلاحين، من 36 19إلى1947إلى حسن سلامة، مروراُ بالكرامة وأيلول بعدها. وأنا ولدتُ بعد ذلك في عمان ولم أكن عاصرت أياً منها، ولكنني ككلِ جيلي عشنا أثرها في طفولتنا حتى الثمانينات. وكانت هيئة أبي حين وعيتُ على الدنيا تماماً كهيئة ( جورج حبش) شعرهُ كثيفٌ ابيضٌ عن آخره، وشواربهُ فيها بقايا سواد، إلا ان الفرق ما بينهما أن أبي كان يرتدي الحطة والعقال خارج البيت. وقد كنتُ وعيتُ على الدنيا وشقيقي الأكبر الذي يكبرني ب) 22) عاماً ولم أكن رأيتهُ حتى ذلك الحين إلا خيالاً وطيفاً، فقد كان إلتحق بالعمل الفدائي منضماً إلى حركة (فتح). وهنا دخلت إرهاصات الثورة ووجدانها بيتنا على ما يبدو. وكنتُ في الأول الإبتدائي حين اعتقل اخي الجامعي في ذلك الوقت، والذي يأتي الثاني في الترتيب، لإنتمائهِ السياسي اليساري، وزج بهِ في السجن عشر سنوات. ولم يكن ذلك فقط ما أورث أبي لقب ( جورج جبش) وانما الحدث ( النكتة) الذي حدث لهُ نهاية السبعينات حين كانت لا تزال الأوضاع الأمنية في عمان محتقنة بآثار ما بعد أيلول. وكان أبي حتى آخر عمره صلباً نعم، ولكن عصبي المزاج جاداً أيضاً، رغم حنانه الغريب !!، فقد كان في ذات الوقت يُحبُّ أمي التي تصغره سناً ، ويثق بآرائها جداً - من باب دلالها وكأنها طفلة، فكان جدالهما الدائم الصاخب حتى آخر عمريهما دلالات حب عميق - كما اكتشفتُ لاحقاً- فأبي أيضاً، ذلك الفلاح البسيط الفقير الذي ضاع معظم أرضهِ عام 48، فأصبح عاملاً من أُسرة ( المهدة) وتحطيم الصخر في محجر، بعد أن كان فلاَّحاً من أسرة المحراث، وكنتُ أتخيلُ منذُ طفولتي الأولى بأن محمود درويش كان يتحدثُ عن أبي ويصفهُ حين قال::

- (أبي من أسرة المحراث، لا من سادةٍ نجب .... وأولادي ثمانيةٌ.... أستل لهم رغيف الخبز والدفتر، من الصخر.... يعلمني شموخ الشمس قبل قراءة الكُتبِ) .. ففي احدى تلك الأيام - أواخر السبعينات- كان أبي ( عامل طوشة لرب السما) مع إمي فخرج غاضباً إلى باحة دكان صديقه خفيف الروح والظل، الرجل الشهم ( أبو مصطفى التركي)، وهناك يجلس مجموعة اقران لأبي من حارتنا، وكانت السلطات تفرض حظر تجوال. فرأهم الضابط يجلسون بدون اكتراثٍ باب الدكان مع وصول أبي هناك، فصاح بهم : ( انقلعوا من هنا ..( وإلا مفكرينها مليشيا جبهة شعبية وفدائيين !؟) وتحت وطأة الغضب، أدار أبي وجههُ له ورد عليه صائحاً بحسم : ( لو ما زالت الجبهة الشعبية والفدائيين هنا ..لما تجرأ أمثالك على فتح فمه..!!)، فغضب الضابط وساقوا أبي إلى المخفر. وحين أخذ الناس يسألون لماذا ألقوا القبض عليه!؟ كان أبو مصطفى التركي يجيبُ بخفة ظل : لأنهُ معارض علني، ولأن شعره أشيب وهيئته وشكله تشبه جورج حبش، فقد قبضوا عليه بتهمة أنه جورج حبش لظنهم بأنه هو. وهذا اللقب كنتُ أسمعهُ من اقرانهِ الشيوخ حين يطلبونه مازحين : الرفيق جورج حبش بالبيت!؟.. ومنذُ ذلك الحين بدأ وعيي يتفتحُ بأن إسم جورج حبش، أسمٌ ذو دلالة عظيمة، فدلالة الإسم ( جورج حبش) : قد ترعب أنظمة، وتألفُ قلوب ومشاعر شعوب. وإسم جورج حبش، قد يعني إشعال الثورة في أسرجة البيوت، وكفيلٌ بجعل الناس يتغنون بأمل الثورة والعودة..!! .. وكل ذلك أنني لم أكن أعي أصل حكاية لقب أبي، بل دلالته، ولذلك كنتُ اربط بين اسم أبي واسمه كثيرا، حين تتردد اخبار الثورة واغانيها واذاعاتها في بيتنا. والحدث الذي رأيته بأم عيني وخبرته بكل جوارحي، وأكد لي كل ما كنتُ تصورتهُ قبلاً، كان حين رافقتُ أبي وأمي وأخوتي في زيارة إلى لبنان حين كنت في الثامنة أو التاسعة من عمري، وذلك لأرى شقيقي الأكبر ( الفتحاوي) لأول مرة، وكان ذلك قبيل حرب 82، وفيما أذكر، كان يقيمُ في جنوب لبنان، لعلها عين الحلوة أو النبطية في مدينة صور وحي الفواَّر( كنت اعاملُ هذهِ الأسماء بقداسة ثورية ما في طفولتي ..!! .. المهم اننا كنا نسمع صوت المدافع والرصاص يأتي من الجنوب فيهب سكان العمارات المواجهة للجبال الى اسلحتهم، واذا بي يوما أرى بأم عيني شقيقي يستل بنادق من خلف الخزانة، ويرمي لأبي بكلاشنكوف، قبل أن ينزل الدرجات مهرولاً لا ادري الى أين!!، رأيتُ أبي بأم عيني يطلق النار من على الشرفة جنوباً نحو ( فلسطين) كان يضع طرف ( حطتهِ البيضاء) في فمه ويعض عليها بأسنانه _ ولن أنسى المشهد ما حييت_، من كل الشرفات حولنا ومن شرفتنا كان اطلاق النار جنوباً، وأبي يطلق النار من الكلاشنكوف جنوباً، بينما أمي تضمنا وتركضُ بنا إلى الداخل، وأنا مصرٌ على الفرجةِ.. وحين أراجع مشاعري، أدرك بأنني لم أكن خائفاً عليه بقدر ما كنتُ فخوراً به !!، كان أبي يُطلق النار وهو يعضُ طرف حطته البيضاء، وما كنت أرى في الجهة المقابلة أعداءً، ولكنني عرفت وأدركت في تلك اللحظة، أن حيثُ نطلق النار، فهناك فلسطين، وهناك الأعداء .... فأنغرس في وجداني إلى الأبد، أن جورج حبش، قيمة كبرى.... فطوبى لجورج حبش، وطوبى لأبي وامثاله، وعلى أرواح أمثالهم السلام .. حين يمتزج البسطاء بالرموز الكبرى) .

التعليقات