المسار ميديا المسار ميديا
recent

اخر المواضيع

recent
recent
جاري التحميل ...
recent

طابون عمتي زريفة (20 ) : ( كل امرأة تُفكر يومياً بالانتحار ..!!)



عبد الرحيم زايد

(....لعل للأنثى لغةٌ يصعبُ على أمثالي فهمها، ولعلها لغزٌ عميق خالد ..هكذا يخطر لي كلما ظننت بأنني سبرت غور عمتي زريفة، لأكتشف -كما اليوم- بأنني بعيدٌ جداً، فقد شهدت حواراً أنثوياً ما بين جيلين.. وما أدركتُ منهُ شيئاً..!!.
فالحفيدةُ الجميلة لعمتي زريفة، ابنة عمي (مجدولين ) أو ( كلارا) كما كنا نناديها، تلك المعلمة التي عاشت طوال الوقت في المدينة مع والديها ثم الأن مع زوجها وأولادها. لا تزور القرية إلا نادرا جداً. وفي زيارتها الأخيرة كانت غريبة، صامتة، لا تكاد تفسر لها ملمحاً، وفوق هذا، تلازم الطابون وحيدة وكأنها تريد الاختباء من شيء ما أو من ذاتها..!. صباح هذا اليوم، ذهبت إلى طابون عمتي، لأجد ابنة عمي كلارا منهمكة بالعمل، وعمتي تجلسُ فوق كيس (الزبل) قبالتها وهي تتكئُ على عصاها وتُميلُ برأسها ووجهها على عصاها.
كان الصمت سيد الموقف لولا صخب العمل. ثم فجأة بدأت عمتي زريفة بالكلام بلا مقدمات وكأنها تهذي، غير مكترثة لوجودي : (كنتُ وأنا صبية، استيقظ قبل الفجر، وأتخيلُ لو أنني اختنقتُ ليلاً ومت بصمتِ، اختناقاً بسناج النار أو من الإعياء والتعب، ولكنني ازحف باتجاه ( بابور الكاز)، أشعلهُ بعد عدة نفخات، وابقى قليلاً أتأملُ النار وأنا اضعُ فوقها ابريق الشاي، ثم اقلي البطاطس والبيض، وأتخيل انقلابهُ واحتراقي مع كل ما في البيت، أو أن تكون نهايتي قلياً بالزيت أو الماء المغلي، ثُم انفضُ خواطري مع غليان كل شيء وتقديمه للجميع بعد ايقاظهم كسالى. وفي يوم تنظيف الحظيرة وصيرة الأغنام، كثيرا ما كنتُ اصادف افاعٍ وعقارب، وبلا شك، كان يمضي جموح خيالي بنهايتي علي يد احدى لدغاتها. وكم تخيلتُ حبل غسيلي يلتف حول عنقي ويُعلقني وانا أنظف أكوام الغسيل. أو أتخيلُ سقوطي في البئر العميق وأنا انضح الماء للجميع. وكثيراً ما تصورت موتي برصاصة طائشة وأنا اجوب الحقول للعمل بها، أو سقوطي من فوق زيتونةٍ أتسلق لقطافها!!.. )
ثمُ حدقت إلى حفيدتها كلارا، وهزت رأسها وابتسمت وكأنها تهمس لها بدون كلامٍ بالقول : ( أنا افهمك بدون كلام يا ابنتي)، ثُم تابعت كلامها بالقول : ( فكثيرا، بل يوميا، بل مع كل لحظة، أتخيّرُ نهاياتي واعايشها، فقد قضيت عمري ولا زلت وأنا أفكر مع كل ثانية وكل فعلٍ، بطريقة للهروب إلى النهاية، بل استعرضُ تلك الطرق يومياً وأنا في عتمة الليل وحيدة منقطعة عما حولي..!!)
وما كادت تكمل كلامها، حتى انفجرت كلارا بالبكاء وبدأت بالحديث وكأنها تكمل كلام عمتي زريفة !!: :
( .. كم تخيلتُ ملايات السرير الناعمة البيضاء تلتف حول عنقي وأنا ارميها في الغسالة الأتوماتيك منهكة بعد يوم عملٍ عصيب. وفي بعض أيام، تصورت سقوطي بسيارتي عن مرتفع في واد سحيق، وكم تخيّرت أن تكون نهايتي بتسمم غذائي من اختلاط السوائل من قهوة وشاي وحليب، ومن مواد كيماوية لتنظيف ارضيات الحمامات، إلى ما استخدمه في مختبر العلوم من كيماوياتٍ تعليمية. وكثيراً جداً ما كنتُ أتخيل حتى الثمالة نهايتي بصعقة كهربائية حين يختلط بللي بجفافي بناري، وتخيلتُ كيف سأهتز وانتفض وانا مبتسمة لاستقبال اللحظة الأخيرة المريحة. وحين ألقي بنفسي في سريري إعياءً، وأروح في حالة من الهذيان أو الإغماء – وكأنني نائمة- اتخيلُ بأنني قطعتُ خط النهاية وذهبت.. ولكن من حولي وأولادي يوقظونني صباحاً، ساحبين إياي لأزحف إلى مطبخي، ولركضي اليومي المحموم في جنبات البيت، حتى يستيقظ والدهم ليرى كل شيء جاهزاً، فأكون خلال ذلك قد اضفت طريقة موتي بالكي بالحديد والكهرباء وأنا اعد اناقته وأكوي ملابسهم، وأناقتي لأجلهم .. ثم أركضُ إلى عملي، وهناك أتخيلُ سقوطي على الدرجات ودخول قلم الحبر الأحمر الجاف بقلبي، أو اتصور انهيار اللوح الخشبي الثقيل فوق رأسي، أو ابتلاعي لحبر الألة الناسخة، أو لعلها تكون بانفجار المختبر، أو تسرب السموم من مادة عارضة، قلوية أو حامضة ..!!)

ثم انفجرت كلارا بالبكاء، ففتحت عمتي زريفة ذراعيها لها عن آخرهما، وحضنتها بحنان بالغ.. ثم لمحتهما تبتسمان ثم تضحكان معاً ببله ..!! ....فآثرت الانسحاب الصامت.. وأنا لم افهم شيئاً ..!!) 

التعليقات