المسار ميديا المسار ميديا
recent

اخر المواضيع

recent
recent
جاري التحميل ...
recent

العنف ثقافة





يسر حجازي

"العنف، مهما كان وضوحه، هو فشل".
جون بول سارتر
من لم يقم يوما ما يضرب أولاده؟ هل هذا امر طبيعي؟ ولماذا نفعل ذلك؟ يمكن للمرء أن يعترف أن هناك حدود لتاديب الاطفال، واننا في مرات عديدة بالغنا في عقابهم. أولا وقبل كل شيء، يجب علينا أن ندرك أن في الحيوانات، كثيرا ما نشاهد القطة الأم تضرب قططها الصغار بلطف و ذلك دون عدوان، فقط لتهدئتهم. ومع ذلك، لاحظنا عن كثب ان أغلبية الآباء في البشر، يعاقبون ابنائهم وغالبيتهم ينهالون عليهم بالضرب المبرح. ويذهبون لغاية استعمال العصي لضرب ابنائهم، وكانهم يتخمرون في نوبة غضب، تعطي انطباعا بان هناك رغبة في الهيمنة، وتفريغ الغضب عليهم. يمكن أن يأخذ تلك الغضب أبعادا اخري، مثل حبس الأطفال في غرفة دون طعام، و مع القليل من الماء. كما يقبعون الأطفال الآخرين في غرفة مظلمة، والضرب اليومي. ويلاحظ العنف عند الأطفال في مرحلة المراهقة، و يتجادلون بطريقة عنيفة. ومع ذلك، فقد ركزت الابحاث الاجتماعية على الظاهرة الاجتماعية والثقافية، فضلا عن انتقال هذا الموروث الثقافي إلى الأجيال الأخرى. 
ان ضرب الطفل له ابعاد اخري، و قابلية للامراض النفسية في المستقبل.
كما ان هناك خوف بان يفقد الامن الذاتي، مما يسلب منه توازنه، وثقته بنفسه.
فإن الأطفال الذين يتعرضون للضرب الوحشي خلال طفولتهم، من المرجح أن يكونوا عنيفين و ضعفاء في سن البلوغ. وقد أظهرت جميع البحوث العلمية أن العنف واللجوء إلى العنف ليس له علاقة بغريزة الإنسان، وأنه ليس فطريا. وتظهر التصورات الاجتماعية أن أفراد المجتمع يقلدون بعضهم البعض، ويتبعون بالضبط ما يحدث في المجتمع. 
يظهر العنف في الأسر من خلال سلطة الاب علي الأسرة تجاه زوجته،و أطفاله. هذا العنف هو أمر لإخضاع النساء والأطفال، وهذا المثال هو نفسه ينطبق في العمل، وفي السياسة، وفي توزيع الموارد. 
وينتقل العنف مثل العدوى، وهو ما يفسر لماذا في الدول التي تتميز بقيادة غالبية الرجال، هناك امراة او اثنين بالكثير، تبدو الدكتاتورية واضحة والقرار يصدر من رجل واحد وهو الحاكم المطلق، والباقي يبقون تحت امرته. كما ان الطابع القبلي يشبه تماما الامبراطور الروماني قديما، لان القرار يرجع للحاكم فقط. وفي الحضارات اليونانية واللاتينية، قدم أفلاطون المجتمع المثالي من خلال تعليم الأطفال، والتعلم، والألعاب، والملاحظات الطبيعية، و كان هناك اتفاق لاستبعاد العنف. 
في حين أن افلاطون يتناقض مع نفسه في الوقائع، لأنه قال:" إن الطفل هو الأكثر قابلية للفوضي بعيدا عن السيطرة، بالمقارنة مع جميع الحيوانات، وأن هناك ضرورة الي أن يكون تحت إشراف معلميه، وفقا للتعاليم الخاصة بهم ". وبالنسبة لأرسطو، يجب أن يكون التعليم مؤلما للطفل الذي لديه سلوكا غير مقبول. وفي سبارتس في اليونان القديمة، سمح للمعلمين استخدام عصي من حديد كأداة تربوية. و لفهم كيفية استخدام العنف في روما القديمة، كانت الإمبراطورية الرومانية تعين المعلمين من بين عبيدها، لتدريس الاطفال. وكانوا طلاب المدارس يتعرضون للضرب المبرح، والجلد عن طريق عصي من الخشب الشائك، أو الجلد، وادوات اخري من حديد. كما ان الطلاب الذين يتعرضون للضرب، هم من فئات الفتيات و تتراوح اعمارهم ما بين سن السابعة والثالثة عشرة، والفتيان بين سبعة وخمسة عشر عاما.
و لوحظ سوء المعاملة بشكل رئيسي في المجتمعات الجاهلة، وفي قبائل الصيادين الذين يمارسون العقاب الجسدي. كما ان المجتمعات التي اعتمدت أيضا سلوكا عنيفا، هي تلك التي أرغمت أطفالها علي الطاعة. 
وهذا يثبت أن العنف إنجاز و ليس فطري في الإنسان. ومع ذلك، فإن هرمون البرولاكتين له تأثير على احساس الأمهات، وهو تلقائي ووقائي تجاه الأطفال حديثي الولادة. كما انا عناية الام بمولودها الجديد يمكن أن يتسبب بغيرة الأشقاء الذين يشعرون باهمال امهم لهم. ويمكننا أيضا أن نفهم أن الأمهات يخشون ترك الرضيع وحده مع أخيه أو شقيقته الصغرى. و ما يفسر سبب شعور الخوف، هو سلوك الاطفال الذين لا يمكن التنبؤ بتصرفاتهم بسبب انهم لا يميزون الخير من الشر.
حيث ان معاقبتهم بالضرب، اصبحت برمجة سلوكية للعنف التربوي الذي يشكل جزءا من موروثنا الثقافي والعالمي. 
في عصر النهضة الإيطالية في أوائل القرن الخامس عشر، أوصى المنظرون التربويون مثل بيترو باولو ،فيرجريو ،و فيتورينو دا فيلتر، و باتيستا غوارينو باستخدام أساليب التدريس غير العنيفة مثل المكافآت، والتشجيع المعنوي. وقال الفيلسوف إيراسموس الهولندي ان: "خلال معاقبة الطفل، لا يجب أن نحمل الخطأ للطفل بل للكسل، وعدم كفاءة معلمه". وكانت هذه بداية انتشار انتقاد العقاب الجسدي.
وقد أظهر إيراسموس أن المدرسة، شكلها مأساوي مثل غرفة التعذيب، وأن البكاء وصراخ الأطفال كان مروع. وقد أظهر تشبيه إيراسموس لهذه الحالة من العنف، أن المعلم كان يستمتع يضرب طلابه، وأن العقاب الجسدي يمكن أن يعوق ذاكرة الأطفال، ويحولهم إلى اغبياء. و أفضل طريقة لتوبيخ الطلاب هي طردهم من المدرسة بشكل تدريجي.
على سبيل المثال، أظهر الفيلسوف الفرنسي مونتيغن أن المدرسة يمكنها تعليم القسوة والعنف للاطفال. وقال: "خذوا عني العنف والقوة، لا يوجد شيء
برأيي من شأنه أن يصعق ويضرب الطبيعة اكثر من العنف . إذا كنت تريد من الاطفال أن يخشوا العار والعقاب، فلا تقصي عليهم. "
ان استخدام العصي لتعليم أطفالك هو بمثابة تغيير حالتهم الذهنية، وضرب ضميرهم، لأنهم سوف يعتقدون أن الضرب امر طبيعي. 
و مع الضرب يفقد الطفل حساسيته، وينتهي به الأمر إلى عدم القدرة على مشاركة المشاعر مع الآخرين. وسوف يتعلم أن يكبح مشاعره، وكذلك قدرته على التبادل العاطفي مع الآخرين. ويمكن أيضا أن يتمتع بجعل الآخرين يعانون، دون أي ندم. ان هذه البرمجة المنزوعة من الاحساس، يمكن أن تصبح خطيرة وتشجع الأطفال المعنفين على ان تكون لهم رغبة في محاولة ايجاد طرق أخرى لتعذيب الآخرين.

التعليقات