المسار ميديا المسار ميديا
recent

اخر المواضيع

recent
recent
جاري التحميل ...
recent

النعرات ومثيروها واللاعبون بها



عدلي صادق

علمتني الحياة، أن آفة النعرات المناطقية والعشائرية وحتى الدينية، ليست إلا مشاعر ودوافع غبية، تذهب بأصحابها الى الشطط وإطاحة العدالة في تعاملاتهم الاجتماعية، وهي قطعاً مشاعر تنبع من تقديرات قاصرة وأوهام فاسدة، يؤدي تفشيها الى تمزق في الأربطة في النسيج الاجتماعي.
كثيراً ما يعتقد واحدنا أن عناصر الخاصة العائلية والمناطقية أولى بالمعروف وأوجب للثقة، لكنه إذا اتسعت تجربته سيُفاجأ بأن أبعدين كُثراً، بمعيار المسافات العائلية والمناطقية، تصرفوا معه بمروءة وأخوة واحترام، أكثر بكثير من الأقربين الذين يتوهم أن المسافة بينه وبينهم أقرب اليه من حبل الوريد. كلٌ منا مرت عليه تجربة، كان فيها البعيد مكانياً وعشائرياً بلسماً له في الوقت الذي أصبح فيه خياره المناطقي والعشئري في الناس، ورماً مؤلماً متقيحاً في خاصرته. هذا يجعل واحدنا مضطراً لأن يُعدّل بوصلته، ويتخير الشيم الأفضل والنفوس الأنقى والعناصر الأكفاً في كل خيارات الناس التي أمامه، سواء كان سيعطي أو تأخذ، أو الإثنتين معاً.
ما أغبى المنصاعين للنعرات في وطني: الشمال والجنوب، الضفة وغزة، الريف والمدينة، البلد والمخيم، شرق السكة وغرب السكة، البط الشرير والبط المرجان. إن كل هذه، محض أصناف من انتاج المشتل الإستعماري والسلطوي الرميم، ومخابرات السلطات المتربصة بالناس.
في تاريخ كفاح الشعب الفلسطيني، كان البريطانيون سباقين الى زرع النعرات للفتك بالحركة الوطنية: فلاحون متعاضدون مع طرف مديني يكذب عليهم ويستغلهم، وفلاحون آخرون متعاضدون مع طرف يكرّس زعامته بينهم ويطارد موالي الطرف الأول، مستغلاً سذاجة الناس. وفي السياق، يجري تخليق صور نمطية وأخرى نمطية مضادة، لمجاميع البشر الإخوة، وهذه من أشكال الفتن، التي تغذيها الأوساط الأمنية ودوائر الفتك بوحدة الوجدان الشعبي. ويكون التغاضي عن مناقب الناس وأخيارهم، فظاً ومجنوناً، وتسري بين العامة السُذج، أقاصيص وعبارات ينسبها الناس لبعضهم البعض. وعلى الطرف المعني بتمزيق النسيج الاجتماعي، تمضي الممارسات في سياقها الذميم!
إن المجتمع، هو مخزن الفضائل. ومستهدفو الناس بالأذى، يلعبون. وكل ذلك بتخطيط مسبق. وحتى في علاقاتنا مع أمتنا، يتعمد المخططون قدح شرارة التباغض. ففي عصر وسائل التواصل الاجتماعي، يدفعون فتى عربي من الحجاز ــ مثلاً ــ لكي يذم الفلسطينيين وينكر مدركات قضيتهم، فيرد عليه فلسطينيون لا يدركون مقاصد اللعبة، بالتعميم وإهانة العرب في الجزيرة، ويصبح الصيد الثمين لمفتعلي الشرارة، هو ما يقوله الفلسطينيون عن كل الحجازيين، على النقيض من الحقيقة وهي أن تعاطف الحجازيين والنجديين مع شعب فلسطين وقضيته كبيراً ويتسع باطراد، ولا تحظى به السلطة السعودية نفسها!

أما في ممارسة الحلقة الضيقة الممسكة بمقاليد السلطة الفلسطينية، فإن الكيديات وصلت الى أوجها، بعد استشهاد ياسر عرفات، حارس وحدة الوجدان الفلسطيني. فقد بدأت في عهده من عناصر تلعب من وراء ظهره، وهو خالي الوفاض من هكذا غرائز. فقد بات ابن غزة وساكنها، مصلوباً وتتأجيج النعرات ضده وقد أصبحت على أشدها. بينما الفلسطينيون جميعاً، مجتمع واحد، وهذه حقيقة أكدت عليها حتى أوسلو الذميمة، عندما نصت على أن الضفة وغزة وحدة جغرافية وسياسية واحدة. ونلاحظ أن تأجج النعرات يترافق دائماً مع الانسداد السياسي والوطني، وفي الأوقات الذي يكون فيها للفاسدين القدح المُعّلى. إن هذا دائماً هو نتاج حال التردي، واللاعبون في هذا المجال عاهات تتطفل على الفلسطينين وتحاول النيل من وئامهم الوطني، لكي ينصرف الناس الى التباغض فيما بينهم، وينجو اللاعبون!

التعليقات