المسار ميديا المسار ميديا
recent

اخر المواضيع

recent
recent
جاري التحميل ...
recent

أزمة طلب العلم عند الإسلاميين





الكاتب الإسلامي أحمد مسمح

رغم وجود مئات المكتبات الإسلاميّة بما تحويه من أعداد هائلة من المجلدات والمؤلفات ذات الجودة العالية في الطباعة والتجليد، وانتشار دور الطباعة والنشر على طول العالم الإسلامي، وضخامة أعمال التحقيق والتخريج والشرح للمتون في علوم العقيدة والحديث والفقه وأصوله، إلا أن الإسلاميين يعانون في مسألة المثاقفة أزمةً كبيرةً وخللًا عظيمًا، وتأخذ هذه الأزمة صورًا شتّى.

ومن ذلك وقوع الإسلاميين طلاب العلم في المذهبية تارةً، والحزبية تارة أخرى، فأصبح لكل طائفة كتب ومؤلفات محددة وعلماء معرفون، عنهم يأخذون علمهم ودينهم وفتاواهم، فهي التي توافق ذلك المذهب أو رأي الجماعة، فوقع الإسلاميون أسرى للونٍ واحد من الثقافة لا يتعدونه، ونمطٍ من التفكير لا يتجاوزونه، إذ تتكرر لديهم أسماء علماء معدودين يتلقون عنهم الفتاوى والعلم الشرعي والتوجيهات التربوية، فلا يرضى أحدهم أن يستمع لـ«الآخر»، فضلًا عن أن يأخذ برأيه؛ بل ربما وصموه بصفات «التبديع» و«التفسيق» و«التضليل»؛ لأنه خالف رأيهم في ما يُستساغ فيه الخلاف.

حتى أنتجت تلك المنهجية الممقوتة نسخًا مكررة من ذات المدرسة، التي لا تعرف إطلاقًا للفكر، أو قبولًا للآخر، ولا مجال فيها لإعادة النظر في الآراء الفقهية، ولا سعة صدر لآراء أخرى من علماء كبار، فهم يريدون لطريقة التفكير نفسها أن تسود، ويحرصون أن تتكرر وتُنقل النصوص والنقولات نفسها في كل خطبة أو مقال أو مؤلَّف، ويهتمون بالردود وإقامة الحجج والمناظرات والانتصار للرأي وليس انتصارًا للحق، ويفتحون معارك في مسائل تخطتها الأمة منذ زمن بعيد، فما زالت معارك «الحجاب» و«التصوير» و«الردة» و«لمس المرأة و«صوتها» وغيرها عندهم حامية الوطيس.

إن الجيل الذي ينتظر «خروج المهدي» و«نزول عيسى»، ويدور حول مسائل معدودة محدودة لن يقدم فكرًا ولا نظرية ولا تقدمًا على المستوى الإنساني ولا العلمي لأمة الإسلام. إن التعلق بفكر «الدار الآخرة» و«أشراط الساعة» و«عذاب القبر»، دون عمارة الأرض وتحقيق الاستخلاف فيها «هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا» [هود: 61]، وإنقاذ البشرية بإدخالها في رحمة الله، واستثمار طاقات الكون، واستخراج كنوزها، والتعاون مع الآخرين هو خلافُ ما أراده الله. إن وصف العالم الغربي بـ«الكافر» لا يمنع من مد اليد لتوحيد الجهود في مساعدة البشرية وحمايتها، والالتقاء على طاولة البحث العلمي في سبيل إيجاد علاج لأمراض العصر، ومواجهة الكوارث والظلم المجتمعي، وإغاثة المنكوبين والمشرّدين، ما الذي منع المسلمين من تكوين المؤسسات الدولية كمجلس الأمن والأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية، وعندهم في القرآن ما يدعو إلى ذلك؟ «قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ» [آل عمران: 64]، لماذا تقدم الغرب «الكافر» وتخلفنا نحن «المسلمون»؟ لماذا نكون أصحاب «الخطاب الاستغاثي» وليسوا أصحاب الاستجابة الإنسانية؟ ولنا في «حلف الفضول» و«ميثاق المدينة المنورة» خير شاهد.

إن التدين الذي يقوم على «الرؤى» و«الأحلام»، وظهور بعض «المعجزات» و«الآيات» على حبة الطماطم والفواكه والأشجار والأسماك، هو تدين غير سليم، فالدين يقوم على الاعتقاد الجازم بالله تعالى، والتصديق الكامل بما أنزل، وليس على صور وفيديوهات أغلبها مغشوشة ومفبركة، لإلهاء المسلمين عن الاعتقاد السليم والبحث الصحيح، لقد اعتمد الإسلام في أول نزوله على النقاش العلمي والحوار الإيجابي ليكون إيمان الفرد عن قناعة نابعة من داخله، انظروا إلى الآيات التي حاورت المشركين وطلبت منهم «البرهان» على ما يدعونه من أفكار ومعتقدات، «قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ» [البقرة: 111].

لو تأملنا الآيات التي تحدثت عن أسباب صعود الحضارات وسقوطها، وهي بالمئات، وكمية الكتب التي كُتبت عن هذا الموضوع، وهل بالكاد تصل إلى العشرات، فهي لا تقارن بالآيات التي وردت في الأحكام الفقهيّة، وهي بالعشرات، وكمية الكتب والمؤلفات الكبيرة التي كُتبت عنها، وهي بالآلاف. لقد تحدثت آيات القرآن في قصص الأقوام والحضارات، والدروس والعبر من كل حضارة وصفات الأقوام وكيفية التعامل معهم، «فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ» [الحج: 45]. فلماذا نهمل الجانب الحضاري في القرآن الكريم، ونحصر أنفسنا في أحكام فقهية؟ لم نقرأ القرآن الكريم «قراءة حضارية» نستلهم منها دروسًا للبقاء والتعايش، ومخاطبة الآخرين، والحذر من الأعداء، وكيفية معرفة مكرهم وكيدهم.

إن «الأمثال» التي ضربها الله –سبحانه- في القرآن الكريم هي لحكمة يعلمها ومقصد يريده، وليس عبثًا أن تأتي تلك الآيات، عن عاد وثمود ومدين وبني إسرائيل وفرعون وبلقيس وغيرها من القصص «وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ» [العنكبوت: 43].

لقد دخل مجال العلوم الشرعية غير المتخصص -وهذه إشكالية- وقد قالوا قديمًا «إذا تكلم المرء في غير فنه أتى بالعجائب»، فأصبح يفتي ويتكلم في الدين كل من هبّ ودبّ، ولتلك الظاهرة أسباب؛ فربما أراد ذلك «المعمم» أن يحصد الأضواء حوله، ويكثر متابعوه ومعجبوه، أو ربما ينطوي فكره على الأهواء وهذا أكثر ما ابُتلي به «خطباء يوتيوب». لماذا لا يرضى أصحاب التخصصات على غيرهم أن يتكلموا في ذلك التخصص ويرضى بذلك المسلم؟ فالأطباء لا يقبلون من غير المتخصص أن يتكلم في الطب، فربما يُحاكم ويُسجن وينال عقابه، لماذا لا يحدث هذا في ما هو أعظم من الطب وهو الدين والاعتقاد؟

الأمر الآخر في أزمة «طلب العلم» هي كمية ما يُضخ ويُنشر على مواقع التواصل الاجتماعي وموقع يوتيوب من آلاف المقاطع التي اختلط فيها الحق بالباطل، والحابل بالنابل، وأصبح كل إنسان يدّعي أنه على الجادة والصواب، فلم تعد تعرف الحقيقة من الزيف، ولا تميّز بين المخطئ والمصيب، والأدهى من ذلك حصر الحقيقة في رأي واحد أو شيخ واحد لا يمتلكها غيره، وأن «دخول الجنة» هو في تلك الطريق لا غيرها. إن الذي يملك «التفسير الصحيح» للنص هو من وعى كتاب الله تعالى والسنة الصحيحة بفهم الواقع، وليس الذي يأخذ «بالأحوط» خوفًا من الوقوع في «المكروه»، فالشريعة كلها يسر وأحكامها قائمة على التيسير ورفع الحرج، إن «المكروه» هو من تخييل الأفكار المغلوطة والفهم الخطأ للنص الشرعي.

إن جهلنا بالقرآن الكريم وعدم تدبُّر آياته هو الذي أوصل المسلمين إلى هذا الحال، لقد حمل القرآن الكريم في طياته سبيل النجاة للمسلمين وللبشرية جميعًا، لكن من يستخرج كنوز الآيات ورسائل الله تعالى لخلقه من آخر رسالة سماوية إلى أهل الأرض.

إن تحرير العقول مما علق بها من شوائب وأفكار موروثة طريق ليس صعبًا، إننا نحتاج إلى التأمل والتدبّر وإعادة قراءة للكتاب والسنة بفهم الواقع، لأنهما يرشدان إلى صوابية العمل والفكر، ويعصمان المسلمين من الوقوع في أزمة «طلب العلم» و«التثقيف الموجه».


التعليقات