المسار ميديا المسار ميديا
recent

اخر المواضيع

recent
recent
جاري التحميل ...
recent

ملحمة جلجامش التونسي




الشاعر عبد الله القاسمي

اللوح الأول

هو الذي مدّد الصباح حتى تجلت له الأضواء
هو الذي خبر الجوع و مشى على الثواني من بداياتها .. عشرة ألاف من الأضواء سكنها
هو الحكيم الذي لا يعرف شيئا .. الشموس في كواليسهم الموصدة .. لم يعرف جهة هبوب الرياح .. ولا تخوم المجرات
هو الذي أوغل في المسافات محملا بالتعب و الوجع
هو الذي بنى في بستان الملح والدهان أحلامه
بنى للمترفين قصورهم .. وبيته نسجته العناكب ،سكنته ليالي الشتاء الطويلة و أثثه بأحلام أطفاله
لم يكن له سورا .. الغيلان تعبر رؤاه كل ليلة ..
لم يعرف من أي جهة تأتي الملوك ..
من التربة الناضحة بالوجع و السمرة خلقه الله ليشقى
لا وجه له .. أضاع صوره في رحلة التاريخ بين غبار الثواني المؤلمة
لا لون له ..كل الأقنعة مزقتها الليالي وكهوفه دمرتها جرافات الباحثين عن الكنوز
يداه كأبنائه سبايا وكل الجبابرة يحكمونه ... فتاته تداول عليه الفاتحون ..
لم يعرف طعم الشفاه و لا شهد النهود .. ترك العصافير الجميلة تأوي كل ليلة لأعشاشها
لم يضطهد جلجامش التونسي الذئاب التي فتكت بخرافه
جلجامش التونسي كالفهد الأسير يتململ في غابة من البخار.
الصباحُ الذي يرتجيه فقد وعيه
والأنفاس في صدره شاحبة موهنة
شوارع مدينته من زجاج
أقدامه موحلة من غبار الثواني
طاولات المقاهي في الصباح الباكر عذراء
لا شيء في حاناته يصنع النخب
تأمل جلمامش التونشي كلّ تلك الشوارع القذرة
كل الرياح التي تهب في الشوارع قذرة
الليلَ في المدينة يلقي في ذاكرته ألفَ صورة قذرة
لم يكن جلجماش التونسي اله أو ملكا
انسلَّ الضوءُ من بين أصابعه متدفقا في بالوعات الشوارع ،لم يجد جلجامش التونسي حلما واحدا ..
تتحسّس قَدَمه الحافية الصفراء التي عبرت مستنقعات التاريخ كلّها
يداه الملطَّختَان بدم الجرائم التي لم يرتكبها .. رفعهما بشدّة نحو السماءِ ،كانت المدينة كتلة معه،
جلجامش التونسي أضاع أحلامه في الحانات الرديئة والمواخير الرخيصة
في أحد المدافن المنسية فقد ذاكرته وطواطم أجداده القدامى
منذ الطفولة كان ينام في النسيان ، لم كان نبيلا، كان حزيناً
شيّد قصوره الوهمية و عاش مع الكتب ،مع الوجع القديم الذي يتجدد
أسطورته اليتيمة الخبز الذي صار بعيد المنال و الحلم الذي أضاع إليه السبيلا
جلجامش التونسي لم يعرف من أي جهات الأرض تشرق النساء , ولم يعرف طعم الشفاه الوردية ,ولم يذق شهد النهود الصغيرة التي تنمو بطيئة في الضياء
كان بسيطا كزنبقة أو وردة ،وكان يأمل أن تعيش أزهاره يوما أخر وسط الصقيع
لم يكن جلجامش التونسي ملكا أو يسكن قصراً في المدينة
كان يسكن رُكناً من حديقة قديمة لا يجرؤ الضوء على المرور فيه ، مياهه داكنة تخنقها الأوراق و تتبول فوقها القطط
ظلاله منحنية و الطحالب تغزو الرغبات القديمة ، حتى الموت يتجنب المرور فوق أثار نعاله
النساء شاحبات في مخيلته ،لا العمر لهن , وقحات النظرات كن يحدقن فيه طويلاً قبل الغوص في الماء .
أهدر جلجامش التونسي أيامه في المبغى ولم يدرك جذوة الانتشاء

التعليقات