المسار ميديا المسار ميديا
recent

اخر المواضيع

recent
recent
جاري التحميل ...
recent

ازمة التقدم بالعمر في الوطن العربي





د. يسر حجازي

  
  (1958) "العمر مسألة إيمان ، أمل ، حب ، مسألة توفر". أندريه جيرو،

ما هو التقدم في العمر؟ لماذا نحن خائفون من الكبر؟ كيف نعطي معنى جديدًا لحياتنا؟ الكثير من الأسئلة والإجابات غير مشجعة ، بالنظر إلى أن التمثيلات الاجتماعية هي أول ما تدين الأشخاص الذين يتقدمون في السن،  لتتهمهم بصعوبة التركيز، وحاجتهم إلى الدعم والرعاية ، لغاية الملل منهم.  يمكن لهذه النظرة أن تقلل من شأن المتقدمين في السن ، وذلك يشعرهم بالوحدة وعدم الفائدة. ومن هذه اللحظة، تبدأ رهانات النضال بين العقل والجسد الذي يريد أن يثبت العكس ، فضلا عن ممارسة السلطة الأبوية إذا لزم الأمر. ماذا يدفع الناس الذين ييتقدمون في السن إلى تجاهل الفئة الشبابية في مراكز القيادة؟ لماذا يرفضهم الشباب في حياتهم الاجتماعية والسياسية؟ ويريدون تحويلهم الي مرضي ومحتاجين خدمات صحية واجتماعية. وذلك ما اختبرته خلال عملي في الحقل الاجتماعي منذ سنوات. وكنت اسمع العاملين في الخدمة الصحية يتعاملون مع مستفيدين الخدمات الاجتماعية التي تتطراوح اعمارهم بين الخمسون والستون كانهم في سن الشيخوخة. وانا لما كنت بالاربعينات، يتصرف بعض العاملين في العمل وكانني سوف اسقط من الدرج. ولما اغضب يحيطون بي وكاني سوف اموت من ذبحة صدرية. كما سمعت عدة مرات في المصعد: "تفضل يا حجة!" بينما يستطيعون المتقدمين في السن تزويد الشباب بأفضل التعاليم ، والتقنيات الخوارزمية للتنظيم، والسيطرة على البيئة الاجتماعية. ان الكثير من القوالب النمطية تدين الشباب والمتقدمين في السن ، ولدينا انطباع واضح بأن الشباب يرغبون في التخلص من كبار العمر في العمل. لماذا لا يتم التنسيق بين الاعمار ، ونجعل منهم جماعات مؤثرة ، و قدرة اجتماعية هائلة؟ إن الرغبة في عزل كبار السن من الحقل الاجتماعي ، يعني إدانتهم بشكل علني وحرمانهم من العضوية الاجتماعية، واجبارهم علي العيش بمفردهم في غرفة انتظار للموت. ومن خلال حديثيي مع احدي صديقاتي المتقاعدات ، أدركت أنها تعمل بجد لإثبات أنها لا تزال عضوًا نشطًا في مجتمعها، في مواجهة العداء الواسع الانتشار في وطننا العربي. لكل فرد في المجتمع مكانة في صفوف المجتمع بغض النظر عن العمر، أو الهوية، أو الحالة الاجتماعية. ولكن محاولات استبعاد المتقدمين في السن ، هي بمثابة تفتيت المجتمع وأتمتة نظام معين بنهج التسلسل الهرمي، وقيم اخري.

على سبيل المثال ، إدخال برامج تكاملية بين الشباب والمتقدمين في السن يمكن أن يساعد على تقوية النسيج الاجتماعي، والتزامن في أدوار أعضاء المجتمع. يمكن للجمعيات أو النوادي خدمة المجتمعات خلال النهار ، وتقديم برامج للشباب وكبار السن في فترة بعد الظهر. كما يمكن اعداد شباب مسؤولين عن برامج الشباب ، وشخصيات مخضرمة في الحقل الاجتماعي كمسؤولين عن برامج كبار السن ، ويمكن أيضًا توحيد برامج احتفالية معينة بين الشباب وكبار السن. اذا نظرنا بدقة الي ما يتم تداوله في مجتمعنا العربي ، ليس من المستغرب أن تري أننا بين طرفي النقيض.

 ويمكن أن نرى على سبيل المثال ، أن القادة ، ومديري المراكز ، ومسؤولي المنظمات الحكومية باعمار تفوت السبعين عامًا. هذا قد يفسر عداء الشباب والتمثيلات الاجتماعية لكل ناشط اجتماعي فوق الستين عاما. بنما يظهر مؤشر التنمية أن جميع الدول العربية تقريباً لديها شباب ليسوا جزءاً من قيادة بلدهم.

كما يتحدثون الشباب في كثير من الأحيان بطريقة عدوانية اتجاه آبائهم ، ويمكننا سماع بعض الكلمات الجارحة مثل: "لقد أصبحت مسناً ومجنونا"، أو "اخذتم فرصنا واحلامنا" او "انتم علي حفة القبر". هذا ما يدل ان الشباب يشعرون بالإحباط, وذلك بسبب تجريدهم من ممارسة حقهم في المواطنة. علي سبيل المثال، القادة الذين يشكلون اتلافات ولوبيات انتخابية لتامين بقائهم في الاتحادات والمؤسسات، يثبت أنهم يحرصون فقط على ضمان استمراريتهم وزج العشب تحت ارجل اجيال الشباب. ذلك ما يثبت الخطئ الفادح التي ترتكبه الجماعات الحزبية في نشر مفاهيم زائفة، تثبت أن الصورة التي تم إنتاجها للمتقدمين في العمر ترجع إلى الصور النمطية واساس الصراع الاجتماعي، والاقتصادي، والسياسي الذي زرع العداء والمنافسة الغير شريفة في داخل الهياكل الاجتماعية. يمكننا أن نفهم ان المتقدمين في السن قلقين من فقدان قدراتهم، ونشاطهم بمجرد استبعادهم من النشاط الاجتماعي. من الناحية الاخري، ان هذه المعتقدات صنعها المجتمع لخلق فئة ضعيفة وفئة اخري متسلطة علي اكمل وجه، بموافقة الجميع. الامر بدا برسم صورة امراة مطيعة وصورة الاخري لفرويد، لرجل قوي ذات عضلات، وواجب الجميع تقديسه، وتلبية احتياجاته البيولوجية والعاطفية، والاقتصادية، والسياسية.

 بصدق، لا يمكن لشخص فوق الخمسة وستون سنة أن يقدم نفس المجهود البدني لشخص اخر يبلغ من العمر خمسة وثلثون عامًا. ولكن  يتعين على الشباب دون شك أن يمروا بتجربة طويلة في مكان العمل ، في المجتمع أو في الأسرة، لفهم نظرية القيادة الديناميكيه. كما ان هناك ضرورة لنا جميعا لتقبل التغيرات الفيزيولوجية والعقلية والذي هو أمر لا مفرا منه ، ويتوجب علينا تنظيم هذه التحويلات بالاتفاق مع تحليل النظم التنظيمية والمجتمعية.

يجب قبول التقدم في السن ، و أن لا نثير نزاعًا بين الأجيال. لماذا لا نعترف ، أن الوقت قد حان لتمرير الخدمة إلى أشخاص آخرين أكثر
طموحا ومع رؤية أخرى للعالم؟

هذه الصور النمطية التي أنتجناها عن قصد هي عبارة عن ظاهرة في تقليل القيم  الاجتماعية ، بسبب الصراعات الثقافية، ورفض صلة للتغيير (هيكوزن ولنج،1996). يمكن للمرء أن يبقى نشطًا وخلاقًا أثناء العمل مع الشباب ، ويغرس فيهم أفضل التعاليم والإرشادات المستفادة من العمل مع الآخرين. لدي الشباب  قلب المغامرة والحلم ، ولدي الاشخاص المتقدمين في السن قلب كامل من الخير وقيادة نموذجية في رؤية الهوية الاجتماعية. وفي هذا السياق ، يجب إعادة تقييم هذه التغييرات، وتحليل مدي تأثيراتها على علم النفس التنموي، والاجتماعي.

 ان تجربة كبار السن ثروة بلا نهاية، والتبادل المعلوماتي بين الأجيال مفيد فضلا عن نقل التعلم. لا يزال، ان موضوع  الاشخاص المتقدمين فوق سن الخمسة وستون عاما جدلي بالنسبة للتنظيم  الاجتماعي، وتمارس سلوكياتهم السيطرة على المؤسسات ،وكذلك البيئة الأسرية،و الاجتماعية، والسياسية. انها السلبية التي تكشف، عن الحاجة المستمرة للشعور بالتحكم وضمان الحفاظ على المكتسبات ورضا النفس.


التعليقات