المسار ميديا المسار ميديا
recent

اخر المواضيع

recent
recent
جاري التحميل ...
recent

الهوية والاغتراب في رواية " الرقص الوثني "





الشاعر والكاتب حسن قطوسة

لم تأخذ رواية الرقص الوثني  للكاتب إياد شماسنة حقها بالذيوع والانتشار والدراسة ،رغم تناولها لأشد الموضوعات جدلا في العصر الحديث (مسألة الهوية والاغتراب ) ،ربما لضعف الاعلام الثقافي الذي صار مشهودا للجميع ،والأرجح هو وضعية هذا الكاتب الذي لا ينتمي إلا لقلمه ولا يراهن إلا على نصه ، فلا قبيلة تسانده ولا مؤسسه تلمعه ولا شلة تسحج له ،ويكفيه شرفا أنه يسير بخطى واثقة متسلحا باصراره وموهبته ومستشرفا أن يحفر نصه علامة بارزة في خارطة الأدب الفلسطيني .
وبالنسبة للرواية ،أود أن أتوقف عند العنوان (الرقص الوثني ) والذي يعد العتبة الأولى ،وإن اتضحت لنا العتبات ،أستطعنا دخول البيوت من أبوابها لا من شبابيكها ، وما إن قرأت العنوان تذكرت روايتي المخطوطة منذ 2007 والتي كتبتها في عجالة بهدف الفوز وكان عنوانها (الرقص على الجمر ) وأذكر أن أهل القرية مشوا في آخر الرواية ،وكأنها يرقصون على الجمر ،كنوع من التطهر من ذنب عظيم ،ولم أتفاجأ من وجود مجموعة قصصية بعنوان (المشي على الجمر )ومن مسلسل خليجي اسمه (الرقص على الجمر)،فما دلالة الرقص ولما يرمي ويرمز ؟؟ حين نطالع بشغف ونقلد رقصة زوربا اليوناني ، الرقص يا سادة انعتاق وتحرر وتحليق ،فحين نفرح نرقص ،وحين نفوز نرقص ،وعندما نحزن نرقص بشجن وبهلوانية ،وعندما نصل للهدف وآخر الطريق نرقص ،ولا تتوقف المناسبات التي يكون الرقص عمادها وديدنها ، ولكن ما هو (الرقص الوثني ) وكيف يكون ؟؟ أجزم بأنه الفكرة الأسطورية التي قامت عليها دولة أكذوبة ك(إسرائيل ) ،وبهذا أستطيع أن أمسك خيوط الرواية لأقول الآتي :
تتنهي الرواية حين ينتشل بن شاهين العربي المقيم باللد (أوستير)ابنة البرفيسور بن يهودا من أزمتها النفسية التي كادت أن تودي بها ،لأنها كانت ضائعة لا تملك هوية فالتحقت بجيش الدفاع ورأت الأهوال في حرب غزة فأصيبت بصدمة نفسية وأودعت مصحا للعلاج النفسي ،ورأى الطبيب المعالج أن علاجها بمن حولها وأهمهم بن شاهين الذي لم يتأخر ،وكأن (أوستير )عادت لأصلها ومنبتها وإنسانيتها عندما عادت لابن شاهين العربي ،الذي صار مرشحا (للكنيست )فيما بعد يطالب ويقاتل لأجل حقوق الأقلية العربية في دولة عنصرية ك(إسرائيل ) ،أما البرفيسور بن يهودا وقد كان الكاتب حاذقا في اختيار هذا الاسم ،فينتهي به الأمر لكتابة مذكراته بعد أن تكشف قصته (فهو ابن دوف (خلدون ) الشخصية الشهيرة في رواية غسان كنفاني الذي صار ابن قضيته فيما بعد وتنكر لوالديه ) وقد كان يعمل مع الشاباك ويتاجر ويسرق الآثار التي يبعيها له بعض الفلسطينيين الذين باعوا ضمائرهم بثمن بخس ،كحارس العمارة الذي يدمن رؤية الأفلام الاباحية ،هذه هي الشخصيات الرئيسية في الرواية (أعني التي ارتبطت بالأحداث وتطورت معها وكانت من صانعيها )،والملاحظ أنها شخصيات مغتربة تعيش بمجتمع يشكك بها وبولائها ،فتضطر إلى أن تثبت العكس ،فتلتحق بالجيش كأوستير أو بالشابك كالأستاذ الجامعي (ابن يهودا )وعندما لا تجد ملاذا وتتكشف لها الصورة بوضوح تبدأ رحلة البحث عن الهوية من جديد ولكن ليس قبل أن تدفع الثمن من استقرارها وروحها ،ولقد أحسن الكاتب صنعا عندما لم ينه روايته بزواج (أوستير )وبن شاهين ،وإلا لكان هذا دعوة صريحة للتعايش والتطبيع ،وأحسن صنعا عندما جعل البرفيسور والأستاذ الجامعي يتنازل عن حقوقه بالرواية التي صدرت ونسبتها لصاحبها الحقيقي خالد سعيد من مخيم الجلزون ،لقد كان ذكيا في هذه اللفتة حيث الجميع يسعى لاثبات روايته ،رغم وضوح الرواية الفلسطينية وأحقيتها .

الرواية على عكس كثير مما يكتب ،تتحدث عن (إسرائيل )من الداخل ،وليس هذا انبهارا بها وإنما لتوضيح بنية الخطاب الروائي لدى الكاتب الذي أراد أن يلمس موضوع الهوية في دولة تحاول أن تثبت أحقيتها في الوجود حتى ولو بسرقة الأثار الفلسطينيية وتزويرها ،وأجزم أن غالبية شخوصها نراهم يوميا ،وكأن الكاتب بهذه الرواية يقدم صورة مطابقة للواقع ولا يضيره هذا .

اللغة والسرد والبناء الفني
السارد العليم الذي يدير دفة الأحداث وهو في برجه الشاهق ،خنق بعض الشخصيات ولم يجعلها تتحرك وتتحدث بأريحية وديمقراطية وهذا نمط من السرد ممل بعض الشيء لولا بعض المفاجأت والفنتازيا التي كانت تشد القارئ وقوة السرد لدى الكاتب ،أما اللغة فهي متوسطة وكنت أتمنى أن يكون الكاتب حذرا في استخدام العامية بعض الشيء ،التي أرى أنه رماها في بعض المواقع دون تخطيط ،والبناء الفني الذي قامت عليه هذه الرواية تقليدي وهو البناء التسلسلي للأحداث ،طبيعة الرواية والحكاية هي من حكمت على هذا الكاتب بهذا البناء .


التعليقات