المسار ميديا المسار ميديا
recent

اخر المواضيع

recent
recent
جاري التحميل ...
recent

التفاصيلِ الصغيرة




الأديبة هبة أبو ندى 

نحنُ نعيشُ هُنا على التفاصيلِ الصغيرة، نتنفَّسُ (الرتوشَ) غير المهمَّة التي تجعَلُنا نبتسم، ونستمر، نصنعُ لأرواحنا مقاعدَ في هوامش العمر ونجلسُ عليها، نمسكُ بعصا أحلامِنا ونهشُّ بها على الأحزان اليوميَّة، ونبتسم، ونستمر!
لذلكَ تمسَّكوا بهذهِ التفاصيل الصغيرة، بفنجان القهوةِ السَّادة التي يعادلُ احتياطي العالم من المزاج، وبعلامات الترقيم التافهة التي تتواجدُ في رسائلِ من نحب، وبأصابعِ أمهاتنا وهيَ تحيكُ لنا الدعاء كلَّ صلاة، وبدفء الكون الذي يتدفَّقُ من صوتِها وهيَ تقول (الله يرضى عليك) بينما نحنُ نخرجُ كلَّ يوم لنجاهد الحياة ونعافرَ كلَّ أسبابِ الشقاء، وبضحكات الصغار الذينَ لم تنبت أسنانُهم ولم يتلقطوا بعد أبجدية الحصار (الكهرباء، الرواتب، الغاز، المعبر، الوظائف، هم، نحن .......إلخ) الذينَ يناغونَ لكلِّ وجه يقبِّلُ مارشلمو خدودهم!
وبأياديهم الصغيرة التي تتتشبَّثُ بأياديكم، وتتحسس خطوطها المجروحة بنعومة وبراءة.
تمسَّكوا بالكلمات الطائشة التي تجدنوها مكتوبة في الكتب القديمة التي تدرسونها، والتي كتبَها طلَّاب قبلكم ملَّوا من الدراسة كما أنتم، كلمات الحب، الغضب، ستون ولا يرسبون، يارب تخلص هالسنة، رسومات القلوب والمربعات المتداخلة، وبقع القهوة والشاي التي تركها السهر الطويل عليها، والحكايات التي لا تنتهي في كل كلمة وحرف!
تمسَّكوا بمن تحبُّون، برائحة عطرهم المفضلة التي لا يلقونَ زجاجاتهِ الفارغة عندما تنتهي، بقمصانهم المفضلة التي يرتدونها كلَّ يوم، وعندما يجربون شيئًا آخر، يخرجونَ لدقائقَ ثمَّ يعودون لارتدائها لأنها أصبحت تشببههم أو يشبهونَها، بقصصكم معكم، تلكَ القصص التي تتذكرونها أثناء الطعام وتضحكون عليها حتَّى بعدَ مئة إعادة، بلحظات الشهامة والحنان التي كتبِت على جدرانِ قلوبكم!
تمسَّكوا بنوع الشوكلاتة المفضل لكم، وبلونكم المفضل الذي يجعلُكم تشترون شيئًا تافهًا كلَّما ذهبتم للسوق لتتفاجؤوا أنَّ كلَّ الاشياء لديكم في البيت بنفس اللون، بهواياتكم الخجولة، وبمسلسلكم الكوميدي المفضل، وبأغنيتكم المفضلة التي تغنونَ معها بصوتٍ عالٍ وتسمعونها عشرات المرات كل يوم، وبصديقكم القريب الذي يعرفُ كلَّ مصائبكم والتي تضحكونَ عليها معًا كلَّما التقيتكم.
وبسورة القرآن المفضلة التي تجعلكم تبكون وتخشعون وتطيرون في ملكوت الحبِّ الإلهي وتنسونَ وجودكم الماديَّ على الأرض  
وبأول صورةِ هوية أخذت لكم وكانت تشبهِ الموموياء، وضحكتم عليها طويلًا، وباليوم الشتوي الذي مرت بهِ سيَّارةٌ مسرعة فأغرقت ثيابكم بالطين والماء، وبالمشاوير العائلية التي تتعطل دائمًا لتنتهي نهايةً جميلة، وبكلِّ فرحةٍ مرَّت ذاتَ يومٍ بكم.
تذكروا كلَّ الاشياء الجميلة والتفاصيل الهامشية، والابتسامات العابرة، والذكريات اللانهائية وتنفسوها وامتصوها بقلوبكم، واتَّحدوا معها، والمسوها، واحتضنوها بأفكاركم، واستمروا في الحياة، وابتسموا رغمَ كلِّ شيء.


التعليقات