المسار ميديا المسار ميديا
recent

اخر المواضيع

recent
recent
جاري التحميل ...
recent

صراع القوى العظمى وطريق الحرير .. وغزة المنتظرة




د. عبير ثابت

لم تفلح الولايات المتحدة عبر سياسة الباب المفتوح أن تحول الصين لدولة ليبرالية ديمقراطية، وبقيت الصين القلعة الشيوعية الأخيرة فى العالم بنظام سياسى أوتوقراطى اشتراكى وبنظام اقتصادى رأسمالى، فلم تتحول الصين لدولة ليبرالية بل على العكس فإن الازدهار الاقتصادى الصينى تحول إلى دعم للنظام السياسى الشيوعى؛ والذى انتقل بالصين من دولة نامية إلى دولة امبراطورية تنافس القوى العظمى على مناطق النفوذ العالمى، وتشق الصين اليوم طريقها بثبات وبسرعة مذهلة نحو تبوء مكانة ريادية غير مسبوقة فى الجغرافيا السياسية الامبراطورية نحو السيادة مدعمة بقوتها الاقتصادية المنفتحة على الاقتصاد العالمى والتجارة الحرة، وبقوتها العسكرية المتنامية، والتى زادت مخصصاتها عن 173 مليار دولار فى موازنة 2018، وبلغت 2.25 ترليون دولار، وتتخطى بذلك موازنة كل دول الاتحاد الأوروبى مجتمعة، ويمثل فيها الانفاق العسكرى ما قيمته 8.1% بزيادة ملحوظة عن موازنة 2017، والتى كانت نسبته فيها 7.6%، وهو ما ترجم بتدشين أول قاعدة عسكرية صينية خارج الصين على سواحل جيبوتى، وهو ما يعنى أن الصين بدأت ولأول مرة فى تاريخها بسلوك النهج الاستعمارى الامبراطوى العسكرى لحماية مصالحها الاستراتيجية .

والأهم هنا عند الحديث عن مشروعها التاريخى فى إحياء طريق الحرير البحرى والبرى، والذى رصدت له موازنة تفوق 8 ترليون دولار، فإننا سنجد أنفسنا أمام تشكيل قوة إمبراطورية غير مسبوقة سوف ترث لا محال إمبراطوريات أخرى فى طريقها قد انكفأت على ذاتها، وللمفارقة التاريخية تبدو الصين الشيوعية أكثر انفتاحا اليوم على اقتصاد السوق والتجارة الحرة من الولايات المتحدة زعيمة الليبرالية والاقتصاد الحر، والتى تحولت عبر سياسة إدارة ترامب إلى دولة تضع القيود على آلية السوق الحر والعولمة الاقتصادية، وتنسحب من العديد من اتفاقيات تحرير التجارة العالمية نحو انعزال تدريجى عن العولمة التجارية، وهو ما يفسح المجال بطريقة غير مباشرة للتنين الصينى فى التربع على عرش الاقتصاد العالمى .

وهنا تظهر حقيقة ثابتة فى السياسة الدولية؛ وهى أن الدول لا تعترف ولا ترى إلا مصالحها بعيدا عن الشعارات السياسية البراقة أو المبادئ، والتى لا تعدو كونها أدوات لخدمة المصالح الاستراتيجية، ولذلك فلن يكون مستغربا مستقبلا أن تتحول أو تستبدل مراكز المال والإقراض الدولى من الولايات المتحدة إلى الصين، فنحن أمام تنين صينى حقيقى يكبر يوما بعد يوم ويلتهم بنعومة وبذكاء كعكة الاقتصاد العالمى؛ والذى سيشكل إحياء طريق الحرير البرى والبحرى أكبر استثمار مالى لمشروع اقتصادى على وجه الأرض، وهو ما يعادل ثلث المال المتداول اليوم على كوكب الأرض والذى يقترب من 25ترليون دولار .


التعليقات