المسار ميديا المسار ميديا
recent

اخر المواضيع

recent
recent
جاري التحميل ...
recent

طابون عمتي زريفة اليوم يومك يا زريفة - المرأة في بلادي ..!!




عبد الرحيم زايد

( مع بداية نهار عطلة اليوم.. وقفتُ فوق رواق بيتي العتيق، احتسي قهوتي واراقب الناس كعادتي.... مرَّت عمتي زريفة من أمام داري، وهي تحملُ على رأسها الحطب، وكيس ( الزبل) لتزبيل الطابون، لتطعم سبعة بيوت حولها خبزاً طازجاً. بينما أم العبد لا زالت تنظفُّ تحت الأغنام والدجاجات، وهي تضعُ طبختها على النار، وتصيح على أولادها مهددة اياهم بمتابعتهم غداً في المدرسة. وأما أم علي فحزينة ومتورمة العينين، لأنها ظلت تبكي طوال ليلة امس وهي منكبةٌ على أعمالها حزناً وتضامناً مع (مانديرا) التي ترملت للمرة الثانية( في المسلسل الهندي) الذي تتابعه بشغف. وأما أم حسّون، فمنذ بزوغ الشمس وهي وبناتها جميعاً في الحقول يتفقدن الزرع ويروين الأشجار حزينات بسبب الأعشاب، وبعض الصقيع. تماماً كحزن الأمهات العذروات ( المتبنتات) في قريتي - وهن أمهات الجميع المخلصات الطيبات الشجاعات، اللواتي لم يسبق وتزوجن، ولكنهن كن وبقين امهات حقيقيات ..!!- وقد انتشرن على أطراف الحقول ينظفن ما حول الصبر في انتظار موسمه الإنتاجي. بينما أم صيَّاح العجوز- كعادتها اليومية- متبرمةً من كسل زوجها الذي لا يعاونها إللا -بالنخز بمسَّاس البقر- كما تصفه دائماً، ودائماً تجاهر بقلقها على البيت واهله بعد موتها كما تقول...
ومن موقعي سمعتُ صيحات ( خريون ) - وهكذا لقبه- ولا اعرف له إسماً، والحقيقة انني احب مناداته بهذا الاسم انا ايضا، فقد كان يصيح بأخته الجامعية التي احرزت معدلاً متفوقاً في الثانوية ودخلت الجامعة ناهراً أمراً، فقط لأنها حاولت الخروج وقد لاحظ بعض خصلات تتلعثم من طرف حجابها، قائلاً : ( خزيتينا ولي انصرفي زبطي احجابك وتتقصعيش وانتي ماشية مثل ال..و ال ..!!)، وطبعاً حين يسمع أقرانه من ( الصيَّع والعواطلية ) سواءً منهم من يقضي ليله على الأنترنت أو في اسرائيل وسط هالة كريهة الرائحة من الشبهات، أو من يقضي منهم وقته -زعيقاً ثورجيا ومزاودات- وكتابة تقارير عن أقرب الناس ذكوراً واناثاً، وهم بالكاد يحسنون الكتابة. تراهم يجارونه ويبارونه، بمباريات غير معلنة بينهم على اثبات الرجولة على الأخوات ..!!، متذرعين (بالدين والأخلاق والمحافظة ..!!) كونهم جميعاً يتزاحمون للصلاة يوم الجمعة في الصف الأول، وقد تجدهم قضوا ليلتهم في جلسات تحشيش..!!.... ومن هؤلاء ( المساطر) (أبو جلّة) - وعمتي زريفة هي من صبغت عليه ذلك اللقب حتى ألتصق به إلى الأبد- ذلك بعد أن ضربته ضرباً مبرحا وبهدلته في فضيحة لا تنسى.. فقصتهُ أنه أقدم يوماً على ضرب اخته، لأنهُ وجدها متلبسة بقراءة رواية (لنوال السعداوي)، وأخته ذاتها هي تلك الفتاة الشابة الناشطة في مقاومة الجدار، والتي داسها جنود الإحتلال عدة مرات، بل ومزقوا ثيابها عن جسدها واوسعوها ركلاً، وأصيبت في غير موقع هي وكل نساء القرية دون استثناء وهن يقاومن الجدار العنصري. لحظة سمعت عمتي زريفه بأنه ضربها، هبَت تركضُ بغضبٍ حاملةً مساس البقر نحو دارهم، متجاوزة الأب والأم، وما أن دلفت البيت حتى انقضت عليه كالصقر، وانبطحت فوقة وهي تعض رأسه وتلطمهُ مستعينةً بمساس البقر، حتى كادت تخنقه، ثم هرب منها فلحقته الى وسط القرية وهي تصيح به: ( أتفوو عليك وعلى كل امثالك يا ساقط، ولك انت جلّة بقر -وجلة البقر: هي روث البقر المقرف الذي لا قيمة له-، يا وسخ يا حمار، ولك حدى بمد ايده على اخته غير الساقطين امثالك، ولك يا حمار يا ابن الحمار، بدكش اياها تقرا وتتعلم اعشان اتظل جحشه وخرية زيك!؟، - وبطحته ومرغت رأسه في التراب وهي تصيح - ولك كان ورجيتنا مرجلتك مع الجيش وما تخبيت، وخليت اختك لحالها تواجه الجيش، وهما بمزعوا بثيابها وبيسحولها على الارض، بتفكر حالك اشرف من قاع كندرتها!!، ولك قاع كندرتها براسك ..!!).... ولم تتركه عمتي زريفة في ذلك النهار ولا انهت المشكلة، قبل أن توسع ابوه وامه بهدلة وشتما وسباً على تربايتهم، ولم تتركه أللا وهي تربي كل أمثاله به تاركةً تحذيراً شديد اللهجة لكل من تسول له نفسه المساس بأخت..!!، فكان ما أرادت زريفة، ولم يجرؤ أحد على المساس العلني بأخت، فالويل له إن عرفت زريفة..!! ....
.... المهم، حين عادت عمتي زريفة من طابونها اليوم، ابتسمت لها من موقعي فوق الرواق وصحت لملاطفتها : ( اليوم يومك يا عمتي زريفة كل عام وانتِ بخير.. لليش سارحه عالطابون واليوم عيد النسوان ..!!) نظرت إلي شزراً وقالت : ( هو يا جحش، في امرأة في الكون كله بتعرف اتعيِّد واللا اتعطل واللا توقف عن الحياة، ولك يا بغل، في ام بتقدر اتبطل اتصير أم، واللا بنت اتبطل اتحب!؟، ولك إذا المرأة عطلت يوم واحد .. الحياة كلها بتوقف....) ثم نظرت الي مبتسمة وهي تراني اضحك سعيداً بها، وأكملت كلامها : ( بعدين البغال مثلك شو بفهمكم بالمرأة ..!؟ موش اليوم يومي : كل يوم هو يومي يا أهبل .. ولك الشجرة انثى، والأرض انثى، والشمس أنثى، والحياة انثى ..!!) .. ثم اشارت إلي باصبعها الرشيق فنزلت ( ودهشت وهي تخبرني سراً ما .. قد أشي به لاحقاً ...!!) ثم مضت في حال سبيلها .....ابتسمت لها وهي تمضي وهمست: كل عام وانت بخير يا زريفة، ولكل زريفة في الكون كل الحب ........).

التعليقات