المسار ميديا المسار ميديا
recent

اخر المواضيع

recent
recent
جاري التحميل ...
recent

خُرّافيّة أبو عرب




قصة قصيرة
خُرّافيّة أبو عرب(1)
  
          د. سناء شعلان

 " باعوها بعلبة سردين ووقّعوا"(2)،يتعالى صوته الموتور بالحشرجة والزّبد والضّحكات المتدفّقة بتواتر متقطّع محقون،وهو يعيد هذه الجملة كلّما أراد أن يبدأ حديثاً،أو أن ينهي آخر،أو أن يعلّق على أمرٍ ما،أو أن ينتقد موقفاً أيّاً كان حتى ولو كان انتقاداً لأزمة المرور الخانقة في وسط المدينة القديمة حيث يُعسكر منذ سنوات،ثم يطير بعيداً بملابسه المهلهلة،وقبعته الجيفاريّة الخضراء الدّاكنة،ومعطفه العسّكريّ الشّتويّ المرّقع الذي لا يخلعه حتى في أشدّ أيام الصّيف حرّاً،وتطير خلفه جملته العتيدة التي لا تهترئ في فمه على الرّغم من تكراره لها،وتطلّ صورة جدّتي في ذاكرتي من ركن عزيز أثير،وهي تختم حكاياها المسائيّة والصّباحّية إن ألححنا عليها بسرد إحداها في الظّهيرة :" وطار الطّير،وتتمسّوا بالخير" .
    وعندما نلحّ عليها بأن تروي لنا من جديد قصة مجنون وسط المدينة القديمة صاحب الجملة الشّهيرة" باعوها بعلبة سردين ووقّعوا"،تقول لنا وهي تزّم شفتيها احتجاجاً مهزوماً على إجبارها على تكرار القصّة ذاتها لعشرات المرّات:" خرّافيّة أبو عرب كلّها عجب يا أولادي،اسمه أبو عرب،وكان – والله- زينة الشّباب في قريتنا في فلسطين قبل النّكسة،طوال عمره وهو فدائيّ،يحمل سلاحه،ويهيم في الجبال،ويقاتل الصّهاينة،كان رأسه مطلوباً دائماً للجيش الصّهيونيّ،ولكن أحداً لم يستطع يوماً أن يقبض عليه،كان أسرع حركة من البرق،ولكن أولاد الحرام من الخونة وشوا به،فقُبض عليه،وعُذّب طويلاً في المعتقل الصّهيونيّ،ولكنّه بقي على مواقفه الثّوريّة بكلّ ثبات وإصرار،ورفض أن يُدلي بأيّ معلومة قد تكشف عن هوية أيّ من إخوانه الثّوار،عندما خرج من السّجن نُفيَ إلى هنا،كان يعتقد بأنّه سيجد الرّحمة بين أهله من العرب،وهو من كان يسمّي نفسه بأبي عرب تبرّكاً وتفاؤلاً وإيماناً بالعرب أجمعين،ولكن منذ اللّحظة الأولى التي وطئت قدمه فيها هذه الأرض أُعتقل من جديد بتهمة أنّه مناضل فلسطينيّ،لبث في السّجن العربيّ طويلاً دون أن يعرف أحد مصيره،حتى نسيه النّاس،وعندما خرج من السّجن كان قد خلع فيه مكرهاً ومغبوناً شبابه وذاكرته ونضاله،فنسي النّاس أجمعين إلاّ جريمة تشريد الفلسطينيين،وتواطؤ الخونة مع قوى الاحتلال والظّلام،ولم يعد ينطق إلاّ بجملته الوحيدة " باعوها بعلبة سردين ووقّعوا"  التي يكرّرها تعليقاً على كلّ موقف في الحياة؛فهي ترنيمة جرحه النّازف دون شفاء،ويلخّص بها فجيعة الشّعب الفلسطينيّ. يا أولادي،أبو عرب كان وسيظلّ زين الشّباب حتى ولو كان مجنوناً ضائعاً مشرداً في الشّوارع والزّقاق.
   ولأنّني كنّتُ أثق بحماس طفوليّ مطلق بمصداقّية كلّ كلمة تقولها جدّتي الحاجة إلى بيت الله الحرام ثلاث مرّات،فقد كنتُ أُجلّ أبا عرب وأقدّره،بل أحبّه بصمت وتكتّمٍ محزون،وأنظر إليه على أنّه رمز من رموز الكفاح الفلسطينيّ،وكنتُ أصمّم على أن ألقي عليه تحيّة السّلام كلّما مررت به في طريقي ذهاباً وإياباً إلى المدرسة،مخاطراً بأن يطاردني بحجارته الطّائشة التي غالباً ما تُصيب هدفها شأني في ذلك شأن الأطفال الذين يزعجونه بملاحقتهم له،ولكنّه ما فعل ذلك معي قط؛لأنّه على الرّغم من تحليقه خارج العقل إلاّ أنّه كان يملك نظرة سابرة تصبّ مباشرة في فراسته التي لا تخطئ حيال نية من أمامه تجاهه،ولذلك كان يكتفي بأن يصمت عندما ألقي عليه تحية السّلام،ثم يجنح إلى الابتعاد،وهو يكّرر جملته الشّهيرة،فتكرّرها الزّقاق الصّغيرة الآسنة بالصّدى الذي لا يفارقها.
   وعندما داسته سيّارة مجهولة في ليلة صقيعيّة باردة،وتركته جثّة هامدة تهبّ دمها قطعاً متجمّدة على قارعة الطّريق،أبت جدّتي أن تكون هذه هي نهاية خُرّافيّة هذا البطل المجهول،وصمّمتُ على أن تصنع له نهاية تليق بروحه الذّهبيّة الأبيّة؛  فـأبو عرب لا يمكن أن ينتهي مثل سائر البشر مهزوماً مجهولاً وحيداً،لا يمكن أن تأكل الأرض جسده بشهيتها المتوحّشة النّهمة،بل هو محرّم على الأرض،وعلى الفناء،ولذلك أصبحت نهاية خُرّافيّته عندها تقول إنّ أبا عرب لم يمت،ولكنّه عاد متسلّلاً إلى فلسطين،وأُستشهد هناك في عملية فدائيّة بطوليّة،ودُفن في مكانٍ سرّيّ في أعالي جبال الشّمال الفلسطينيّ،وفي كلّ ليلة تخرج روحه،وتحمل السّلاح وتقاتل،وسيظلّ كذلك حتى يُبعث يوم القيامة حاملاً سلاحه وروحه،ومردّداً " الله أكبر،فلسطين حرّة عربيّة".
  كفرنا جميعاً،أنا وأخوتي وأبناء عمومتي وأولاد الجيران وأترابنا في المدرسة،بنهاية أبي عرب الفاجعة في تلك اللّيلة الشّتويّة الباردة،وآمنّا بحكاية جدّتي؛فهي لا تكذب،وأبو عرب لابدّ أن يحظى بالميتة التي يستحقّها،وروحه لابدّ أنّها تركض الآن فرحة سعيدة في أحراش جبال فلسطين.
   أمّا ظلّه فبقي يسعى هناك في الطّرقات المعبّدة بالحجارة الصّخريّة البيضاء،وفي الزّقاق الطّينية الزّلقة،أقسم على أنّني صادفته هناك مئات المرّات بل يزيد،كان يتبختر دون توقّف بخيلاء تليق بقامته المديدة ورقبته الزّاهية الانتصاب،وعندما ألقي عليه التّحية،يبتسم،ويدير ظهره،ويغذّ الخطى نحو البعيد،ويختفي في طرفة عين،فأتسمّر مكاني أقرأ الفاتحة على روحه،ثم أقصد مبتغاي دون أن ألتفت ورائي مهما حضّتني نفسي على ذلك؛فأبو عرب يكره النّظرات الفاحصة الفضوليّة.
   كنتُ أعتقدُ أنّ أبا عرب سيموت بموت خُرّافيات جدّتي التي ماتت بعد أن صلّت العشاء ذات مساء،ودلّكت قدميها بزيت الزّيتون الفلسطينيّ الحار في الشّتاء ذاته الذي قضى أبو عرب نحبه فيه،ولكنّه لم يمت،بل وجدته في كلّ مكان ذهبتُ إليه،وما أكثر الأماكن التي ذهبت إليها،وما أجمل أنّ أبا عرب كطائر الفينيق،لا يموت،بل يُبعث حيّاً من رماده المرّة تلو الأخرى.
    هناك في مخيّمات الفلسطينيين المهجّرين في الأردن وسوريا ولبنان وفلسطين قابلته وجهاً لوجه ألف مرّة ومرّة،أحياناً كان يصادفني بفعل بحثي عنه لأغطّي إعلاميّاً أحوال الفلسطينيين المهجّرين في تلك الأماكن بحكم وظيفتي في وكالة الأخبار العالميّة التي أعمل فيها منذ تخرّجت من معهد وكالة الغوث للمعلّمين في تخصّص اللّغة الإنجليزيّة،وكثيراً ما كان يقابلني بسبق إصرار وترصّد منه في جولاتي الفضوليّة الشّخصيّة الرّاجلة وحدي أو مع أصدقاء أو أقارب أو زملاء عمل لاسيما في زيارتي الدّورية المكّوكيّة التي كانت تستنفذ جُلّ راتبي ومدّخراتي أجور سفر بين تلك الدّول ذات التّخوم الحدوديّة المحمّلة بالانتظار والتّصاريح والأختام والتّواقيع خروجاً ودخولاً إليها.
  ولكنّني ما كنتُ لأبالي بذلك الجُهد كلّه والغّرم والانتظار مادمتُ سأكون وجهاً لوجه مع أبي عرب،وفي كلّ مرّة كانت له خُرّافيّة تؤكّد أنّه خُلق لقدر واحد جبريّ،وهو أن يكون أبا عرب بحيواته النّضاليّة المتجدّدة،ونهاياته المشرّفة،كان يجيد أن يلعب معي لعبة التّخّفي،ولكنّني كنتُ في كلّ مرة أكشفه،وأميّزه من بين الجميع،فيضحك ملء شدقيه كما لم أره يضحك في حياته الأولى قبل أن يتحوّل إلى روح محلّقة في الخلود،ويقول:" باعوها بعلبة سردين ووقّعوا"،ثم يختفي حتى يظهر في القريب العاجل من جديد.
أبو عرب غدا جيشاً من الرّجال والنّساء والأطفال؛ تخفّى في أرحام الفلسطينيات اللّواتي يرضعن أولادهنّ الإباء،فوجدته،تخفّى في حجارة الأرض التي تصرخ يا فلسطينيّ،لكنّني كشفته،نام في مهود الأطفال الفلسطينيين فرأيته،وعندما كنتُ أسمع ترانيم الأمهات،كنتُ أسمع صوت قهقهات أبي عرب.مرّة كان الحاجة محفوظة شتية أم غالب التي حضنت شجرة الزّيتون،ورفضت أن تتخلّى عنها للجّرافة الصّهيونيّة لتقتلعها،وتقذفها بعيدة قتيلة كما فعلوا بابنها منذ أيام،وقفت وقالت لآلة الدّمار الصّهيونيّة أمام أنظار العالم وحيدة عجوزاً صامدة :" لا" فعرفت عندها أنّ روح أبي عرب قد تقمّصتها.
وعندما أُغتيل العمّال الفلسطينيون على الحواجز الصّهيونيّة بجريمة أنّهم يسعون في مناكب وطنهم بحثاً عن لقمة عيش كريمة  لهم ولأهاليهم كان لهم جميعاً وجه ضاحك مزهوّ بالشّهادة،لم يعرف الصّهاينة لمن يكون هذا الوجه المتكرّر في الجماجم جميعها،ولكنّني كنتُ أعرف أنّه وجه أبي عرب.
تصميمي على أن أكون في أقرب نقاطي من أبي عرب جعلني أحظى بعروض إعلاميّة بالغة الأهميّة والنّدرة والاستثنائيّة،وهيّأ لي العمل في أكثر وكالات الإعلام الإخباريّة شهرة وعالميّة وتغطية،وغدا لي برنامج أسبوعيّ جماهيريّ استقطابيّ واستفزازيّ لكلّ من لا يملك أن يكون أبا عرب،وقد أسميت البرنامج" خُرّافيّة أبو عرب"،كلّ حلقة كانت حول بطل فلسطينيّ أو بطلة فلسطينيّة على ثغور الصّمود،كانت الأسماء والوجوه في ظاهرها مختلفة،ولكنّها في باطنها كانت جميعاً لأبي عرب.
   مرّة كان اسم أبو عرب دلال المغربيّ،ومرّة كان ينشد أناشيد إسلاميّة بلغته غير العربيّة،قبل أن يقوم بعملية استشهاديّة،ويكون اسمه مرّة آصف محمد ومرّة عمر خان شريف اللّذين آمنا بعدالة القضية الفلسطينيّة،وأصبح اسمهما أبا عرب، وإن لم يكونا من العرب.
  أجاد أبو عرب أن يملك الأسماء جميعها و الوجوه كلّها،وقصّرتُ عن أن أحيط به علماً في كلّ مكان وزمان وفعل،ولكنّني عرفت أنّه كان مرّة هاشم النّجار،ومرّات أُخر كان محمد صلاح حبيشي،ومحمد فرحات،وحاتم السّيسي،وعماد عقل،ورائد زكارنه،وعلاء أبو دهيم،وريم الرّياشيّ،وفاطمة النّجار،وعجبت من حصافته عندما كان اسمه يحيى عيّاش،فابتكر وسائل التّفخيخ والدّارات الكهربائيّة في العمليات الاستشهاديّة،ثم ابتكر تقنية التّفجير عن بعد بواسطة الهاتف النّقال عندما كان محيي الدّين الشّريف،وهلّلت كما هلّل العالم كلّه لشجاعته وهو يتصدّى وحده لمعشر الشّرك الصّهيونيّ،ويفجّر نفسه بهم في رام الله عندما كان سليمان زيدان،أو في بيسان عندما كان ساهر التّمام،أو في نتانيا عندما كان اسمه عبد الباسط عودة،أو عندما أطلق أوّل صاروخ يُصنع محلّياً في فلسطين وهو عندئذ نضال فرحات،وكم شعرتُ بالقهر وخيبة الأمل عندما أُغتيل قبل أن يكمل صناعته لأوّل طائرة تُصنع في فلسطين،وكم بكيتُ وبكى العالم معي وهو يسمع وصيّته المسجّلة بالفيديو الموجّهة لأمه كي لا تحزن و كي تفخر به،وهو عندها الشّاب الفلسطينيّ الوسيم الذي يزخر بالحياة والعافية والصّحة محمد فرحات.
أضناني أبو عرب وأنا أجده في كلّ مكان،كان هناك في المقابر يشيّع الشّهداء،ويلقّنهم إجاباتهم لملائكة الحساب،وهو من كان يضرب طبول السّحور في رمضان،وكان آخر من يغادر حقول الحصاد في موسم الجني،وعلى الجدران كنتُ أميّز خطّه المسهود المزهو بعبارة:" فلسطين حرّة عربيّة"،وفي الصّفوف الأولى لصلاة الفجر كان يتّخذ مكانه،وهو من كان يقرع نواقيس الكناس في القدس القديمة،وهو من كان يؤذّن في آذان المواليد الجدد،وبفمه كان يلوك لهم لقم تمرهم الأولى.
حاولت كثيراً أن أحضن أبا عرب،ولو لمرّة واحدة في حياتي،لأقول له ما لم أستطع أن أقوله له وأنا صغير،كنتُ أريد أن أقول له :"أنا أحبّك كثيراً يا أبا عرب"،ولكنّه في كلّ مرة كان يهرب مني إلى قدره الذي يجبره على أن يكون سوّاحاً في سائر أرجاء الأرض،وأن أكون مطارداً له لا يعرف هدأة أو سكوناً؛وفي هذه المطاردة اكتشفتُ عاداته الكثيرة،وطبائعه المختلفة،وملكاته المتعدّدة،ولغاته المتنوّعة،وحيواته المتعدّدة،كان موجوداً في كلّ قلب يؤمن بعدالة القضية الفلسطيّنيّة أياً كان،وأينما كان،ومتى كان.
   وفرحتُ إذ علمت أنّ أبا عرب لم يعش وحيداً،ولم يمت فرداً أبترَ كما كنتُ أعتقد،وكما حدّثتني جدّتي في خرّافيّته،بل كان هناك عشرات الألوف من النّساء اللّواتي تزوجهّن،وأسماؤهنّ جميعاً أم عرب،كذلك عنده جيش من البنات والبنين الذي يحملون اسم عرب،ويحملون أسماء وهميّة مضلّلة كي لا يُفتضح أمرهم،ولذلك قمتُ أحدّق في الوجوه الصّغيرة في كلّ مكان،وأتساءل أيّهم قد يكون ابن أبي عرب؟ وحلاً لهذا السّؤال المجنون الذي لا يدرك عقل الحقيقة تعاملت مع الأطفال جميعهم على اعتبار أنّهم أبناء أبي عرب،ولم أنفك أحكي خرّافيّته لكلّ طفل ألقاه لكي يعرف في يوم من الأيام من تراه يكون،وأخالهُ سيفعل.
كان مشروعي القادم هو أن أسجلّ خُرّافيّات أبي عرب جميعها في كتاب قصصيّ جامع للأطفال كي يقرأوا ما عليهم أن يكونوا عليه عندما يكبرون،ولكن تلك المهّمة الإعلاميّة العاجلة في قطاع غزّة جعلتني أترك ورقي وأقلامي ودواتي على طاولة مكتبي،وأطير إلى هناك أسرع من نعامة كي أنقل للعالم جرائم الصّهيونيّة في حق أبي عرب،أعني في حق الفلسطينيين العزّل،لم تكن مهمّتي أن أصوّر ما يحدث بشكل ميدانيّ،ولكنّني صمّمت على ذلك لتكون عدسة آلة تصويري حجّتي عليهم أمام الله وأمام العالم كلّه،بعدستي أخذت آلاف الصّور لأبي عرب،ذُبح في يوم واحد آلاف المرات،ورقد على أسرّة المرض جميعها بالعلل كلّها والجراح والحروق،واستصرخ العالم،فكاد جوابهم له الصّدى،ولاشيء غير الصّدى،ولكنّه على الرّغم من ذلك ظلّ يُبعث حيّاً مرّة تلو الأخرى،وأخيراً كانت القذائف المدفعيّة التي كانت تستهدف قدمي اللّتين قفزتا بعيداً عني شهيدتين على الأرض،ووحدها آلة تصويري من بقيت مخلصة لي في هذه اللّحظة الغادرة،في البعيد رأيت أبا عرب يكرّ ويفرّ،وقريباً مني كانت قدماي ونزيف دم ضخم،وألم خارق ممزّق لا يخجل من أن يتحالف مع قذائف غاشمة ضدّي،وسيراً على أهمّ عادات أبي عرب  الملغزة الخالدة ابتسمت هازئاً من ألمي الطّاغي،وتساءلت ماذا تراه يفعل ابني عرب الآن؟ لقد جاء إلى الدّنيا قبل أيام قليلة،وسمعته ينطق في المهد، ويقول:" اصمد يا أبتاه"،ولكنّني لا أستطيع أن أصمد أكثر،في الأفق كانت تفُتح بوابة الزّمن،وتُطلّ منها جيوش العائدين من الفلسطينيين المهجّرين كأطواق زنابق نديّة،وأجداث الأرض تُفتح ليخرج أمواتها الفلسطينيون عائدين ليرقدوا رقدتهم السّرمديّة في وطنهم،في حين جلست جدّتي عن يميني تروي لي خُرّافية أبي عرب التي أعشقها لعلّها تلهيني عن ألمي المتضخّم كما كانت تُلهيني عن جوعي ومرضي في صغري،ومن شمالي شخصتُ أرقب قذيفة صهيونيّة أخرى تقصدني،بل تقصد أبا عرب،وكان اسمي واسمه عندئذ عماد غانم مصوّر قناة الأقصى الفلسطينيّة (3)،وعمّ الصّمت،وغابت الصّور جميعها،وغشينا أخيراً السّكون الأزليّ اللّذيذ.

selenapollo@hotmail.com


(1)  -  كلمة "خُرّافيّة: تعني حكاية أو قصّة،وهي كلمة عاميّة مستعملة بكثرة في السّياق اليوميّ عند الفلسطينيين لاسيما عند كبار السّن منهم،وهي مشتقّة من كلمة خرافة،والفعل منها" خرّف" ،ويعني حكى وقال ورى ونقل.
(2) - علب السّردين إشارة إلى علب سمك السّردين المعلّب التي كانت تُوزع على الفلسطينيين على شكل معونات دوليّة في خضم نكباتهم ومآسيهم وتشريدهم المتكرّر خارج وطنهم على أيدي الصّهاينة.
(3) - أسماء الأبطال والشّهداء الواردة في القصة هي أسماء حقيقيّة،وبطولاتهم المدرجة في القصّة هي بطولات حقيقيّة لا خياليّة.

التعليقات