المسار ميديا المسار ميديا
recent

اخر المواضيع

recent
recent
جاري التحميل ...
recent

انكسارات البروق البعيدة



الشاعر و الكاتب عبد الله القاسمي

يمرّ الظلّ من حائط فيخرج الصّوت من صدى يتبعنا
لم نعدّ نعرف إن كنّا العازف أو النغمة ؟
نحن مشنوقون في انكسارات البروق البعيدة
تقذفنا الغيوم العابرة من حديقة إلى حديقة
من شارع إلى شارع
ومن وجع إلى وجع نخيّم
ككلمات القصيدة المليئة بالتكرار و الترديد و الصور والمجازات
وحين يحلّ اللّيل نتذكر سيل الضوء البعيد
حين يحلّ اللّيل نحلم بالإسراء و التجلّي
في كلّ خلية في الجسم أفق ينتظر مفعم بالشهوة و الرّغبة
في كل خلية في الجسم امرأة و آلهة تنام
نحن ضائعون منذ أضعنا الجهات ولم تجد الرّوحُ الرّوحَ في روحها
علينا أن نحدّق في الرّوح... هي المرآة التي يتدفق منها الريح و المطر
كنا فقراء طيبين ،لم يشتكوا من التعب و العطش والجليد
كانت لنا مواعيدنا مع الأشجار كلّ يوم
وكان للشمس موعدها
حين تلفحنا الرياح الشمسية عند المغيب .تقودونا إلى أشكال غريبة مؤلمة ، تظهر وتختفي من صحرائنا .بين أثار الحداة ،و أخبار الرواة، كانت تلك الأخبار بيوتنا ،تخبرنا عن أيام بطوليه و أمجاد قديمة كاذبة
الطريق المليئة بالقوافل تغوص في طين البحيرات
هل بوسعنا أن نحلم حلما عادياً ؟
هل بوسعنا أن نتتبع خطى البحر؟
هل بوسعنا أن نتكلّم رموزا جديدة في الحبّ ؟
ظهورنا مثقلة بذكرى هؤلاء الذين سكنوا هنا ..
دماؤهم السوداء وأرواحهم المرتجفة كعصفور صغير تطوّق تخوم مجرّتنا....
لم نعد نملك شيئاً من حقول النرجس
سمعنا الشيوخ يبكون ضياع الأطفال
سمعنا الشيوخ يبحثون عن خطى الخليفة وعن أمجاد دُفنت في آسيا
وقفنا عند تلك شواطئ التي أثقلت عطور الليل
وقفنا عند تلك السعادة الأولى
أروحنا صارت من خشب .
أحلامنا صارت سفنا قديمة تعجّ بنساء شاحبات
وأطفالا يبكون الأسماك الطائرة
سفينتنا المهترئة التي قدّت من وهم الشيوخ تجنح من مرفأ إلى آخر
كل الخرائط أساطير الغول و العنقاء و الخلّ الوفيّ
لا أنهر في أجسادنا ، لا آبار ، ولا ينابيع
نعبد الصدى المجوف والرّاكد ...
ولا نعرف كيف استطعنا انتعال أحذية التاريخ و خلع الذاكرة
لا نعرف كيف بنينا بيوتنا ،وجمعنا محاصيل القمح
لا نعرف كيف جمعنا خرافنا و أتينا زوجاتنا
لا نعرف كيف أنجبنا أبناؤنا , ولا متى و كيف كبروا ؟
أفكارنا الهزيلة كأشجار الدفلى نحملها كالجبال على ظهورنا
أجدادنا الذين نسوا موتهم يمرّون أمام عيوننا وذاكرتنا كالقماش الأبيض يكتبون عليها سجالاتهم ...
المدينة كالفتاة الخرساء و للهواء رائحة الموت الحادة
أين سأتّجول مع حبيباتي الميتات ذوات الصدور العارية … ؟
أين سأسكب شلالات الموسيقى المنسكبة من أحداق عيونهن؟
أيادي الأجداد الخشنة تغطي وجه البحيرة
والعصافير تخلع جلودها وتختفي في دموعي
الوجع الغريب الأزرق اللّون يحيط بأوراق شجرتنا ويقطف ثمرتها
حين قطعوا ثمار الشجرة ،حلّق العصفور حولها بوحشية
وصمّم دوائر في الهواء.
ظلّ كدولاب يدور، والريح تمشّط ريشه ومن حوله الجوعى يضربون البحر بمجاديفهم ويغمضون عيونهم بعصائب من الشمع
لم يكن آخر سطر من ملحمتي الأولى الوجع‘
كنت على موعد مع الريح التي تنتظرني وراء الباب للعناق ، وكان حلم الليل قد ذاب كما الزبدة
كما الأنبياء تدّثرت معطفي وحملت السفينة بين يدي .كنست ذاكرتي من ظلال الزيتون والعنب والنخيل حتى يتمدّد البحر وترسو مراكب الصيد الحمراء
نسيم الصيف الذهبي يأخذني إلى نوم النهار لأقيم في زوايا الأفق الجديد.
تركت على الرمل أصابعي وخلعت ذاكرتي ،لأقيم في مجرّة ماء و شكلاً لريح جديدة تغطي وجه البحيرة


التعليقات