المسار ميديا المسار ميديا
recent

اخر المواضيع

recent
recent
جاري التحميل ...
recent

نتنياهو يواصل ارتكاب الأخطاء


 

د. طاهر العدوان   



حتى لو عاد العرب الى قبائل متنازعة فهذا شيء والسكوت على احتلال القدس والاقصى شئ آخر


يذكر ابا إيبان وزير خارجية اسرائيل اثناء حرب عام ٦٧ ، وفِي اخر فقرة من مذكراته ، بان وزراء خارجية الدول الأوروبية الذين التقى بهم سألوه عن السر في قدرة اسرائيل على هزيمة الدول العربية مجتمعة فأجابهم (لان اسرائيل دولة ديموقراطية وسط أنظمة من الديكتاتوريات والاستبداد )

هذا رأي المنتصر في تلك الحرب يحمل من الصواب الشئ الكثير ، لكن ماذا كان رأي القادة العرب او قل المهزومين العرب عن هزيمتهم المنكرة !؟. هنا يحتاج الباحث او المؤرخ الى ( فرويد نفسي ) ليفهم لماذا اعتبروا هذه الهزيمة المدوية والمعيبة بانها مجرد خسارة معركة بما دفعهم الى حالة من برودة الاعصاب في مواجهتها ، فلم يجيشوا شعوبهم وتركت ( أعوادها منثورة ) امام عدو تسلح بكل سلاح قوي على وجه الارض ، لماذا لم تترجم هذه الأنظمة شعارها الذي أطلقته غداة الهزيمة بان ” ما أخذ بالقوة لا يسترد الا بالقوة ” الى حرب ضروس لا تهدأ قبل استرداد كل شبر وقع تحت الاحتلال . !؟.

بحاجة لفرويد نفسي لفهم اسباب ودوافع هرولة العرب ، بعد انتصارهم المتواضع في حرب تشرين ، الى موائد التفاوض الامريكية الاسرائيلية ، مفاوضات استكملت انتصار اسرائيل العسكري الكاسح في حزيران ٦٧ بانتصارات سياسية اخرى أنتجت اتفاقات كامب ديفيد واوسلو ووادي عربة ، فتُركت غزة والقدس والضفة والجولان تحت الاحتلال وكأنها لم تسقط في حرب جماعية قادتها مصر وسوريا والأردن ومن خلفهم دول الجامعة العربية اي ان مسؤولية إعادتها مسؤولية جماعية !؟.

في الدول التي تحترم نفسها لو سقط متر واحد من أراضيها تحت احتلال قوة اجنبية لأعلنت هذه الدولة حرباً لا تهدأ ولا تستكين حتى تستعيد هذا المتر المغتصب ولو كان الثمن انهارا من الدماء والتضحيات . وأنك لتعجب كيف دخلت بعض الأنظمة العربية في حروب داخلية أهلية لسنوات طويلة لم تتردد في تدمير مدنهاوتهجير شعوبها وقتل مئات الآلاف من اجل كرسي الحكم بينما وخلال ال ٧٠ عاما من اغتصاب اسرائيل للاراضي العربية لم تواجهها الأنظمة الا بحروب أطولها استمرت ٢٠ يوماً !؟.

لا اجابة على هذه التساؤلات الا بالقول : بان إرادة الأنظمة بالقتال حتى الانتصار ، المشفوعة بالعزيمة والصدق والتصميم ، غابت عن الحروب العربية مع اسرائيل ، وهكذا تركت إرادة المقاتلين وحدها في الميدان تمزقها أوامر الانسحاب او التردد في إعطاء الأوامر بالصمود حتى النصر ( لانها كانت حروب تحريك لا تحرير ) بانتظار عطف أمريكا لكي تنقذهم من الهزيمة ، كانت الأنظمة لا تفكر بالنصر انما بكيفية اخراج الهزيمة امام شعوبها وتصويرها بانها نصر . لو كان هدفها التحرير لأعدت العدة وبنت العزائم لجيوشها وشعوبها المتعطشة لتقديم التضحيات من اجل الارض والحق والكرامة !.

بالمقابل فان كل هذه الانتصارات السهلة لاسرائيل في ساحة الحروب وعلى موائد المفاوضات أنتجت حالة من الغطرسة والعنجهية بين صفوف قادتها ، حالة يجسدها اليوم نتنياهو وأعضاء حكومته العنصرية المتطرفة . وبدل ان تُستغل الهزائم العربية لتنتزع شرعية وجودها بالقبول بحل سياسي وفق قرارات الشرعية الدولية يعيد للفلسطينيين حقوقهم الاساسية وجزء من وطنهم ويعيد ما تبقى من أراض عربية محتلة ، نجد ان نتنياهو يمشى كالديك نافشاً ريشه مغتراً بدعم أمريكا له وخاصة بعد وجود الرئيس البلطجي ترمب في البيت الأبيض ، رئيس وزراء اسرائيل ومعه عصابة المستوطنين في حكومته يعيشون هذه الأيام حالة من الانفصام عن الواقع والتاريخ متوهمين بان الفلسطينيين والعرب قد أصبحوا تحت اقدامهم لا حول لهم ولا قوة وبان مصيرهم ومستقبلهم اصبح بيد حكومة نتنياهو وقراراتها البائسة التي تولدها حالة الغطرسة والعنجهية وعَمَى البصر والبصيرة . فسلام اسرائيل يجب ان يكون مع الفلسطينيين والعرب وليس مع أمريكاوترمب ، أمريكا تبعد عنها الاف الاميال اما الفلسطينيون وقياداتهم فيفصلهم عنها أمتار .

الأنظمة وإسرائيل ليس وحدهما في إطار هذا الصراع الطويل ، هناك طرف ثالث هو الشعوب العربية وفِي مقدمتها الشعب الفلسطيني .

نتنياهو وحكومة اسرائيل يواصلون ارتكاب الأخطاء القاتلة بالظن بان العرب ،وقد أنهكتهم الانقسامات والحروب الداخلية والفتن ، سيستسلمون لإرادتهم وبانهم سيجبرون على الاستسلام والتخلي عن القدس وعن فلسطين .

نتنياهو وحكومة اليمين المتطرف تواصل ارتكاب الأخطاء برفض السلام مع الفلسطينيين والعرب وعدم الاعتراف بدولة فلسطينيية عاصمتها القدس مع إقرار حق العودة ، اي الاعتراف بالحد الأدنى من ( السلام المقبول ) وفق قرارات الشرعية الدولية .

هم مخطئون ، لأنهم لم يقرأوا تاريخ شعوب المنطقة ولَم يستخلصوا الدروس منه ليعرفوا أسباب فشل كل غزاة الارض الذين حاولوا استعمار هذه المنطقة وخاصة فلسطين ، لم يبحثوا في انتصارات العرب على التتار والصليبيين وغيرهم من الغزاة .

الانقسامات الداخلية بين العرب لا تحول بينهم وبين مهمة الانتصار على الغازي الأجنبي ، عندما هزم التتار كان العرب الف ملة وملة في الشام ومصر والعراق يخرجون من اقتتال ليدخلوا في آخر ، وكان السلطان قُطز أمير البحر في مصر في حرب مع الظاهر بيبرس في القاهرة بينما كانت بلاد الشام والرافدين تحت التتار ، الا إنهما نجحا في لم الصفوف وإنزال الهزيمة الكبرى بالتتار في معركة عين جَالُوت التي أطاحت بإمبراطوريتهم التي امتد من الصين الى وسط أوروبا .

اما الناصر صلاح الدين الأيوبي عندما هزم الفرنجة في معركة حطين وحرر القدس فقد كان يحارب جيوش أوروبا عاما ويتفرغ لمحاربة خصومه في حلب والموصل والإسكندرية لثلاثة أعوام ، فيما كانت قصور الخلافة العباسية في بغداد تشهد حرباً طاحنة بين نسائها في تنافس الابناء على كرسي الخلافة ، وبعض الخلفاء انتهى بهم الامر الى التسول في شوارع بغداد وقد سملت عيناه .

يخطئ نتنياهو وحكومته ان اعتقد بان قراراً من البيت الأبيض سيمحو القدس ( درة خاتم الاسلام كما وصفها صلاح الدين ) من قلوب وعقول وحياة مئات الملايين من العرب والمسلمين . ويخطئ ان اعتقد بان احوال أنظمة العرب المزرية في ضعفها وفرقتها وذلها وهوانها تمنحه حق نفي وجود فلسطين وشعبها وانكار حقوقهم وسلب ارضهم ومقدساتهم . وحتى لو عاد العرب الى قبائل من بكر ووائل وقحطان وعدنان فهذا شئ ، والسكوت على احتلال الأقصى والقدس وفلسطين شئ آخر . ولو ظل الفلسطينيون في جزر معزولة ، بين ضفة وقطاع ومنافي ، فان مسيرات العودة التي يشهدها العالم هذه الأيام ، بعد ٧٠ عاماً من الهزائم تثبت بان ارادتهم لن تستكين انما تزداد قوة وتصميماًبين صفوف الأجيال الجديدة ، ومعهم ومن خلفهم إرادة اجيال واجيال من أمة لا يقهرها شئ مثل رؤيتها الأقصى يستباح وفلسطين تغرق في ظلام احتلال طال أمده بينما دولها ترتع في الذل والهوان .


التعليقات