المسار ميديا المسار ميديا
recent

اخر المواضيع

recent
recent
جاري التحميل ...
recent

أحلام كلبية



الأديب محمد إقبال حرب

رأيته نائماً مطمئناً بلا خوف أو وجل عند حافة زقاق يتزاحمه المارة من أبناء البلد وسياحه. بدا مطمئناً مسترخياً فاقتربت منه حذِراً لأدقق في ملامحه الكلبية وأطمئن على أمنه وأمانه. فتح عيناً واحدة تعرف بها على ناظره وعاد كما يبدو إلى حلمه الكلبي دون أن يحرك ساكناً
وقفت حيث أنا أرقب المارّة الذين يمرون به جارّين أرجلاً تحرك أجساداً عفنة تسترها ثياب بالية تتسم بفوضى غير خلّاقة. يحمل كل منهم رأساً غزت ملامحه أطياف همٍّ وغمِّ دُفنت تحت طبقة من أصباغ المشاعر المستعارة. طبقة واهية كطبقات الإسفلت البالية التي غطت شوارع المدينة يوم مرّ الحاكم مستطلعاً أحوال النعاج الذين تراصوا على حواف الأزقة والميادين هاتفين بثغائهم طلباً لرضاه حيناً واستعجالاً لسكينة الموت أحياناً أخر، علّ موعد قطاف الأرواح يأتي باكراً. لقد زهدت النعاج مزرعة العدم التي كان اسمها وطن ذات يوم من البقاء دون تيس ينظم حياتها. إذ لم يعد أحد يكترث بتسمينها أو جز صوفها البالي في عصر الإرهاب المتألق. لم يعد هناك من صوف برّاق يسرّ الناظرين، أو لحم يرمُّ العظام تنتظره ديدان الأرض وأنياب زبانية لا تشبع
كيف لا والخوف من غدٍ أعتى سكاكين الجزارين؟ الخوف من أعاصير الجوع وارتدادات زوابع الفساد أعمق من داء الفرح. خوف الشباب من بطالة تجرف كبرياءهم وتدمر مستقبلهم أقسى من حروب العرب المعاصرة. خوف العجزة من يوم لا يملكون له رادعاً من بيت يأويهم بكرامة أو ولد يمتلك من الحياة زماماً.
أرقتني وجوه البشر فاستدرت إلى الكلب محادثاً فلم يردّ على سؤالي. سألته أخرى عن سبب اطمئنانه والناس حوله جيف تتحرك بين بقايا من يدّعون الحياة. لم ينبح ولم يلهث، بل لم يحرك ذيله فظننته ميتاً. لكنه شعر بوجودي فقام من مرقده ونفض جسمه دون أن ينبح ثم سار ناحية عربة لبيع الطعام ونظر إلى البائع نظرة حبيب ابتسم لها البائع الذي رمى له قطعة من اللحم. التهمها بسكون كلبي مميز وحك رأسه برجل البائع شاكراً. ابتسم الرجل للكلب مجدداً ثم رفع رأسه لينظر في وجه الزبون فانقبضت أساريره ولعن قباحته
عاد الكلب إلى مكانه دون اكتراث بأشباح المارة التي هجرها ظلّها ونام على رصيفه ليستمتع بأحلام كلبية تجاوزت أحلام بني البشر

التعليقات