المسار ميديا المسار ميديا
recent

اخر المواضيع

recent
recent
جاري التحميل ...
recent

أطلع من نُقرة اقع في دُحديرة



الأديب محمد إقبال حرب  

يقول المثل المصري “أطلع من حفرة أقع في دُحديرة”. استوعبت المعنى لكنني لم أفهم معنى كلمة دحديرة بالضبط فاستعنت بالمعاجم لأجد ضالتي في كلمة دحدر ومعناها: تدحرج، اندفع من مكان عالٍ.
أدركت بأن المقصود هو الخروج من حفرة صغيرة والسقوط المدوي، ربما إلى حفرة أكبر من النُقرة. وأدركت بأن هذا المثل ينطبق عليّ وعلى كل مواطن عربي، فما أن يخرج أحدنا من مصيبة حتى يقع في أسوأ منها رغم كل الدعاء واللطم والبكاء أملاً بالرجاء القادم من علياء.
ما أكثر الحُفر وما أقسى القدر الذي نؤمن به، ما أكثر التدحرج بين الحُفر والنُقر الذي وضعناه في خانة القضاء والقدر. عندما كنت صغيراً وجدتني في نُقرة أسماها بني يعرب “القضية الفلسطينية”. لم أكن أعلم بأن هذه النُقرة إن هي إلا حُفرة شاسعة واسعة ولم أكن أعلم أي شيء عن باقي الحُفر التي يحتفظ بها صاحب السلطان خزائن انكسار ومذلّة. أخفاها مع سبق اصرار وتخطيط كما أخفاها والدي والمجتمع جهلاً. لم يذكر أحد حُفر الاستعمار والجهل والتردي، حُفر الانحطاط والتخلف والتفرقة. ربما كانت نُقراً برأيهم، وربما لم يسعفهم الذكاء على ادراك ماهية النُقر والحفر التي تحيط بهم على مدى واحات الأمة الشاسعة الواسعة. استساغوا العيش في نُقرهم فلم يحاولوا ردمها أو الخروج منها عملاً بالمثل المأثور “الشيطان الذي تعرفه خير من الذي لا تعرفه”. ازداد الطغيان وتحرك الشيطان الذي يعرفون فساقهم إلى أعلى مغرراً بالنجاة فسقطوا كالـ “الدحديرة” في حُفر أعمق وأعتى. سقطوا على رؤوسهم ففقدوا بقايا حواسهم. توسعت الحُفر وزاد عمقها مع التغييرات الكثيرة التي عصفت بكينونة العالم واضطر أصحاب الحُفر والنُقر إلى النزوح تباعاً إلى حيث المتسع لأجيال تبحث عن حيز من المذلة في عصر الهزائم. حُفر جديدة أسموها وطناً ومخيماً وتغريبة، حُفر الهزائم المتتالية في عصر الحكام المستبدين والطغاة المقدسين، حُفر أرضيتها هزائم هواؤها جهل وعمالة وخيانة، ماؤها خداع وبهتان بأمر السلطان.
وجدتني في حُفرة لا أدري كينونتها، فالمعروض فاق قدرتي على التمييز بين السيء والأسوأ. وحيث أن قدرتي على القفز والتدحرج باتت هزيلة وسني لا يسمح بالتدحرج كثيراً آليت الخنوع والبيات حتى أحظى بإحدى النهايتين الفناء أو الممات. لكن ضميري اللعين أصرّ على التحدي فتسلقت جدران حفرتي لاستكشاف متغيرات العالم من حولي. كان السقوط مدوياً لم يسمح لي باستقطاع بعض الوقت لآخذ “سيلفي” أخلاقي وأدبي لمحيطي الجديد، بل سجني الأكبر حيث سأموت وابني سيكبر. لم أستطع تسجيل بقايا ضميري وهو يرثي كينونته قبل الهوان الأزلي فسقطت سقوطاً مدوياً لم يكترث له أحد في قاع جديد حددته العولمة ونفذه عميل جديد اسمه نخاس وطني.
لا أدري لماذا أكتب تجربتي التي هي نسخة طبق الأصل من تجارب الملايين الفخورة بحُفرها المتسكعة في الحضيض بحثاً عن فرصة عمالة ترفع من شأنها عند الجزار العتيد. أكتب عن اغتيال آمال طفولتي، عن حُفر الوطن الشاسع الواسع، حُفر تحمل أسماء دول، بعضها أصل التاريخ والبعض الآخر نُقر هجينة تطفو وتزول حسب رغبة المستعمر في قبور جماعية اسمها وطن يحمل راية صممها إنكليزي في بلاد الفرنجة. رايات أصبحت شعار مزارع الأمة، حُفرها فقر وطائفية، جهل وكراهية. حُفر الازدواجية الشخصية التي تنعم بالانتحار الجماعي قربة إلى غازٍ يعدهم بالموت الرحيم. حُفر تزداد عنفاً وصخباً وقتلاً في ذروة عواصف الكراهية فيما بقيت حُفرة النكبة أم النكبات، بقيت ولم يكترث أحد لقدسيتها فبيعت عشرات المرات إلى أن وصل التاجر الأعظم بسوطه الذي لا يرحم وحاز عليها دون عناء. اشتراها بكرامة الأمة ذاك “الكاوبوي” البذيء مكللاً بخيانة العربان.
عبر سني عمر زرت حُفر الوطن العربي، بل دُفعت إليها دفعاً وكأنني في برنامج سياحي يرشدني إلى غرائب الكوكب. أليست من عجائب الدنيا أن تُفرِز حُفر الإيمان أعلى نسبة كراهية في العالم. أليس من غرائب القدر أن ترى الناس زرافتاً عند دور العبادة فيما تزداد نسب الجرائم والاغتصاب، اغتصاب البشر والأرزاق على حد سواء. حُفر تعج برجال الدين والأدعياء تفشى فيها التزوير والتدليس في كل مناحي الحياة، الامتحانات والانتخابات كما تزينت بالزبالة والقذارة فيما يصدح الخطيب “النظافة من الإيمان”
كم هو عدد الحفر؟
متى سننتهي من التدحرج من هوة إلى سحيق، من نار الجهل إلى سعير الفناء؟
كم هو عدد السجون؟
كم هو عدد القتلى؟
كم هو عدد المتعلمين الذين “يفكون الخط”؟
كم هو عدد الشهادات المزورة التي يتبوأ أصحابها أعلى المراكز؟
كم هو عدد الساطين على المال العام دون حساب؟
كم هو عدد الأدباء والمثقفين الذين يتسولون لقمة العيش؟
بل كم هو عدد المرضى الذين ماتوا قبل وبعد افتضاح عجزهم عن شراء الدواء والتآخي مع البلاء؟
كم حفرة على المواطن أن يرتاد قبل أن يتوب عليه طغاة البلاد ويقتلوه بعد توشيحه وسام شهيد؟
ألسنا كلنا شهداء هذا العصر؟ إذن لماذا العنصرية؟ اقتلونا وارحمونا.
ها أنا اكتب من حفرة الظلام الموسومة لشخصي الكريم، بل الذي كان كريماً يوم ولادتي بمداد الأمل    المفقود على صفحة سيلتقفها زبانية المستبد ويرمونها إلى نُقرة جديدة دحدرة الصلد من علياء في بدعة جديدة من ابداعات العولمة.
لقد أصابتني موجة من ضيق النفس فرائحة النفط لا تناسب انسانيتي في عالم أخلاقه غثيان، مناقبه خيانة، مشانقه صناعة ماسونية تخنق الوطن بسلاسة السم وعنف الفناء تحت راية حاكم مطيع يركع ساجداً عند أبواب صرح المستعبِدين.

التعليقات