المسار ميديا المسار ميديا
recent

اخر المواضيع

recent
recent
جاري التحميل ...
recent

ترميم ميزان الردع النسبي بين المقاومة الفلسطينية وإسرائيل: فرص وتحديات


 

الكاتب والباحث السياسي منصور أبو كريم   


خلال السنوات القليلة الماضية فرضت فصائل المقاومة الفلسطينية والعربية ميزان ردع نسبي مع إسرائيل تم بموجبه ردع دولة الاحتلال الإسرائيلي ويدها الطولي الجيش الإسرائيلي من القيام بأي قصف سواء في غزة أو جنوب لبنان خشية رد هذه الأطراف على القصف الإسرائيلي، وبمواجب هذه المعادلة امتنعت إسرائيل عن القصف المتكرر الذي كانت تمارسه باستمرار في مواجهة جبهة غزة المشتعلة أو في جبهة الشمال التي شكلت أكبر تحدي أمام الجيش الإسرائيلي خلال العقد الماضي لما يملكه حزب الله من قوة عتاد وصواريخ اجبر من خلالها الجيش الإسرائيلي عن التوقف عن شن أي غارة على لبنان، خاصة عقب حرب تموز 2006، وهي الحرب التي تكبد فيه الجيش الإسرائيلي خسائر فادحة في الأرواح والمعدات.

لكن مع دخول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب البيت الأبيض بما يحمل من توجهات سياسية معادية للمحور الإيراني وفصائل المقاومة الفلسطينية في غزة، نشأت أوضاع سياسية واستراتيجية جديدة، هذه الأوضاع سمحت للجيش الإسرائيلي لتكرار قصف الوجود الإيراني في سورية باستمرار بدون رد يذكر سوى الرد الخجول الذي قام به الحرس الثوري قبل أسبوعين عبر قصف الجولان المحتلة بعدد من صواريخ الكاتيوشا، مع أن الرد الإسرائيلي كان أعنف بعشرات المرات من هذا الرد الخجول.

كما ساهمت التحولات التي حدثت في البيئة الدولية والإقليمية إعطاء إسرائيل مساحة كبيرة من التحرك سواء على المستوى السياسي عقب التغيير الكبير في كثير من مواقف الدول العربية والخليجية تجاه دولة الاحتلال الإسرائيلي، أو على المستوى الاستراتيجي والعسكري عبر الدعم العسكري اللا محدود الذي تتلقاه من الولايات المتحدة الأمريكية، والذي كان آخره طائرات F35 المقاتلة، إضافة للمظلة التي وفرتها إدارة ترامب من الإدانة الدولية في الأمم المتحدة والمحافل الدولية الأخرى.

مع تولي الرئيس دونالد ترامب الرئاسة الأمريكية حدث تحول استراتيجي في السياسية الخارجية الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط، هذا التحول كان على حساب كلاً من إيران وحركات الإسلام السياسي التي كانت تعول عليها إدارة الرئيس السابق باراك أوباما في حكم المنطقة، الاستراتيجية الأمريكية الجديدة ترتكز على ضرورة إعادة تراتيب أوضاع المنطقة وإعادة الهدوء والاستقرار لها عبر مواجهة الطموح الإيراني المتزايد وتحجيمه من خلال الخروج الأمريكي من الاتفاق النووي وفرض عقوبات اقتصادية جديدة على طهران وممارسة ضغوط سياسية وأمنية ومالية على قوى المقاومة لمنعها من استخدام من لديها من قوة في مواجهة السلف الإسرائيلي.

تأكل ميزان الردع النسبي الذي كان قائمًا خلال السنوات الماضية سواء على الجبهة الشمالية أو الجنوبية نتيجة التحولات في البيئة الدولية والإقليمية خاصة عقب دخول ترامب البيت الأبيض بما يحمل من توجهات سياسية مناهضة لإيران وحلفائها في المنطقة من جانب وفصائل المقاومة الفلسطينية من جانب أخر، لم يؤدي لتأكل ميزان الردع النسبي فقط بل ساهم في اجبار القوى المعادية لإسرائيل على السكوت والصمت في كل مرة يقصف فيها الطيران الحربي الإسرائيلي جبهة غزة أو جبهة الشمال، ما أعطى ضوء اخضر للجيش الإسرائيلي بالاستمرار في سياسة القصف بدون أي رادع، الأمر الذي سمح بوجود معادلة جديدة مختلفة عن المعادلة التي كانت قائمة قبل سنوات.

كما أن إسرائيل تستغل هذه المعادلة الجديدة لتوجيه ضربات نوعية سواء في العمق السوري لمنع تحول الوجود الإيراني في سورية من وجود مؤقت يهدف لمنع انهيار نظام الرئيس بشار الأسد لوجود دائم عبر انشاء قواعد عسكرية مختلفة مستفيدة من التباين في المواقف بين روسيا وإيران حول العملية السلمية في سورية، أو في قطاع غزة لتدمير البنية التحتية لفصائل المقاومة الفلسطينية وخاصة حركتي حماس والجهاد الإسرائيلي، ضمن سياسية (قص العشب)

لكن رد فصائل المقاومة الفلسطينية على القصف الإسرائيلي جاء مخالف لتوقعات وحسابات الجيش الإسرائيلي الذي اعتقد أن الفصائل الفلسطينية سوف تستمر في سياسة ضبط النفس إلى ما لا نهاية، فقد أربك الرد حسابات الجيش الإسرائيلي وأجهزته الأمنية مما جعله يرد بصورة عنيفة.

ما يحدث هو جولة تصعيد فرضتها مقتضيات الظروف الراهنة والصلف الإسرائيلي، ومحاولة إسرائيل فرض معادلة جديدة تقوم على أساس إطلاق يد الجيش الإسرائيلي بالقصف في غزة دون رد من قوى المقاومة بغزة، في حين تسعى قوى المقاومة الفلسطينية إعادة العمل بنظرية القصف مقابل القصف، في محاولة منها لإعادة ترميم ميزان الردع النسبي الذي كان موجود قبل سنوات. لذلك قد تستمر هذه الجولة يومين أو ثلاث لحين تدخل الأطراف الدولية والإقليمية لتثبيت وقف إطلاق النار مرة أخرى، سوف يقوم خلالها الجيش الإسرائيلي بتوجيه عدد من الضربات الموجعة للبنية التحية للمقاومة الفلسطينية لإجبارها على عدم الرد من خلال استخدام قوة أكبر، في مقابل سوف تستمر فصائل المقاومة الفلسطينية في الرد المحدود على أعمال القصف لعدم الوصول لمواجهة عسكرية شاملة وبهدف ترميم ميزان الردع النسبي الذي كان سائداً قبل هذه التحولات.

لكن محاولة فصائل المقاومة ترميم ميزان الردع النسبي مع الجيش الإسرائيلي مازال أمر يواجه الكثير من الصعوبة والتحديات؛ نتيجة التحولات الاستراتيجية التي تحيط بالبيئة الإقليمية والدولية، وأيضا نتيجة سوء الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة، فمعطيات الواقع الفلسطيني والعربي لا تسمح لقوى المقاومة الفلسطينية بترميم كبير لميزان الردع الذي حدث عليه الكثير من الخلل خلال الفترة الماضية، مما يعني أننا أمام جولة فرض إرادات بين المقاومة الفلسطينية وقوة المحتل التي قد تستمر لفترة من الزمن لحين التأكيد على الميزان الردع من جديد أو تأكيد غيابه.


التعليقات