المسار ميديا المسار ميديا
recent

اخر المواضيع

recent
recent
جاري التحميل ...
recent

خيارات حركة حماس بعد فشل مفاوضات التهدئة !!




الكاتب والباحث السياسي   منصور أبو كريم

شّكل فشل مفاوضات التهدئة بين حركة حماس وإسرائيل تحدي كبير للحركة ولحكمها للقطاع، فالحركة عولت كثيرًا على الاتفاق لتحسين الأوضاع المتردية في قطاع غزة من جانب، والهروب من متطلبات المصالحة الفلسطينية من جانب أخر. لقد وضع تعثر مسار التهدئة بين حركة حماس وإسرائيل تحديات كبيرة أمام الحركة، خاصة في ظل استمرار تردي الأوضاع الاجتماعية الاقتصادية والإنسانية في القطاع الذي تسيطر عليه الحركة ما يضعها في موقع المسؤولية أمام المواطن الفلسطيني، فالحركة مسؤولة عن توفير متطلبات الحياة الكريمة لحوالي 2 مليون مواطن في القطاع، ما يحتم عليها البحث عن خيارات بديلة لهذا الوضع المتردي.
صعوبة الأوضاع الإنسانية وتعثر مسار المصالحة وتوقف مفاوضات التهدئة مع إسرائيل أثار طرح عدة تساؤلات حول لماذا تبنت الحركة التهدئة كخيار وحيد؟ وأسباب فشل مفاوضات التهدئة؟ وخيارات الحركة المستقبلية بعد فشل التهدئة؟ 

أولاً: التهدئة بين حماس وإسرائيل

تبنت حركة حماس مسيرات العودة وكسر الحصار كمسار أخر مختلف عن مسار المصالحة، بهدف تسخين جبهة غزة لدفع الأطراف الدولية والإقليمية للتدخل لفك الحصار وفتح المعابر بما يؤدي لتحسين الوضع الاقتصادي المنهار في القطاع، والخروج من مسار المصالحة المتعثر، وبالفعل نجحت الحركة في دفع الأطراف الدولية والإقليمية لفتح حوار ومفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل لتهدئة جبهة غزة والبحث عن مخرج للأزمات الوضع الإنساني المتفاقمة في غزة.
لكن مباحثات التهدئة بين حماس والاحتلال الإسرائيلي التي أعلن عن توقفها من قبل مصر قبل أيام دخلت مرحلة من الجمود في ظل تطورات سياسية فلسطينية وإسرائيلية وإقليمية، بالتزامن مع دخول إسرائيل والمنطقة في هذه الأيام حالة من البيات الشتوي السياسي في ظل الأعياد اليهودية من جهة، واجتماعات الأمم المتحدة من جهة أخرى، مما يعني عدم وجود حراك جدي لاستئنافها ما لم يطرأ طارئ على الأرض يعيد لها الديمومة التي كانت تصاحبها قبل أسابيع.
فقد نشر موقع "ميدل إيست آي" البريطاني تقريرًا، تحدث فيه عن وجود محادثات متقدمة بين "إسرائيل" وحماس، قد تفضي إلى توفير ممر مائي يمثل متنفسا لسكان قطاع غزة المحاصر، في مقابل وقف العمليات العسكرية ضد المستوطنين الإسرائيليين، وذلك في إطار صفقة يتم التحضير لها بوساطة متعددة مصرية وقطرية وأممية، وسط امتعاض في صفوف حركة فتح. ونقل الموقع، عن قيادي في حركة حماس تأكيده أن "الاحتلال الاسرائيلي قدمت عرضا يتمثل في فتح كل المعابر المؤدية إلى قطاع غزة، وتوفير ممر بحري يربط بين هذا القطاع وجزيرة قبرص، وذلك في مقابل وقف كل الهجمات التي تنطلق من غزة."
المحلل الإسرائيلي، "يوني بن مناحم"، أكد أن قطر تقوم بدور الوسيط بين حركة حماس ودولة الاحتلال. وأضاف في مقال له، أن السفير القطري محمد العمادي، كشف أنه يقوم بمحادثات غير مباشرة بين إسرائيل وحماس، للتوصل إلى "اتفاق حول تسوية" الوضع الإنساني في قطاع غزة. وتابع:" الاتصالات السرية بين إسرائيل وحماس يمكن أن تفسر بكونها سياسة ضبط النفس الإسرائيلية أمام حماس التي تشعل النار على الحدود مع قطاع غزة" وفقًا له. وأشار إلى أن هذه هي المرة الأولى التي يؤكد فيها مسئول قطري مثل هذه الاتصالات بين إسرائيل وحماس. وأوضح "العمادي" أن الولايات المتحدة اقترحت مؤخرًا، خلال جولة المبعوث الأمريكي، جاريد كوشنر في المنطقة تدشين مشاريع تخلق فرص عمل في قطاع غزة. وتابع أن العمادي طلب من إسرائيل عدم تفجير مشاريع كانت قطر قد بنتها في قطاع غزة، كجزء من أعمال إعادة الإعمار بعد عملية الحرب الأخيرة، ما لم تستغلها حماس لاستهداف إسرائيل.
وكان الموقع الإلكتروني لصحيفة "هآرتس" الاسرائيلية، ذكرت، أن المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر "الكابنيت" وافق على هدنة مع حركة حماس الفلسطينية، مشيرا إلى أن الهدنة تضم 6 بنود رئيسية ستطبق تدريجيا خلال الفترة المقبلة. وبحسب الموقع، فإن الهدنة التي تشرف عليها أطراف متعددة، دخلت حيز التنفيذ بعد أن فتحت "إسرائيل" معبر كرم أبو سالم التجاري مع غزة، ووسعت مساحة الصيد هذا الأسبوع وأوضحت الصحيفة عن 3 مسؤولين إسرائيليين لم تسمهم، أن البنود الستة تتضمن أولا وقفا شاملا لإطلاق النار، وثانيا فتح المعابر وتوسيع مساحة الصيد، وكلاهما تم تحقيقهما حتى الآن، بحسب التقرير. ولفتت إلى أن البنود الأخرى سيتم تنفيذها وفق حالة الهدوء واستمرارها. وتتضمن البنود الأخرى إدخال مواد طبية ومساعدات إنسانية، والعمل على إجراء ترتيبات خاصة لحل قضية الأسرى والمفقودين الإسرائيليين في غزة، وإعادة تأهيل البنية التحتية لغزة بتمويل أجنبي، ومن ثم إجراء محادثات حول قضيتي المطار والميناءـ وفقا لهآرتس.
لكن اتفاق التهدئة الذي تم البدء بتطبيقه بين حركة حماس وإسرائيل بدون الإعلان عنه واجهة العيديد من التحديات والعقبات، فالاتفاق لم يدوم سوى أيام معدودة نتيجة استمرار حركة حماس في تنظيم مسيرات العودة في الجمعة التالية للاتفاق، نهيك عن معارضة السلطة الفلسطينية للاتفاق والتباين دخل الحكومة الإسرائيلية.

ثانياً: أسباب فشل التهدئة

لا شك أن هناك العديد من الأسباب والعوامل الذاتية والموضوعية التي أدت في مجملها إلى توقف مفاوضات التهدئة بين حركة حماس وإسرائيل، فرغم تركيز الحركة على هذا المسار للوصول لتهدئة مع إسرائيل، إلا هذا المسار لم ينجح في تحقيق الهدف منه عبر الوصول لتهدئة مع إسرائيل تحصل الحركة بموجبه على ما تريد من كسر للحصار وممر مائي مع قبرص يشكل نافذة للقطاع مع العالم، ويساهم في تحسين الوضع الاقتصادي المنهار في القطاع ويبعد القطاع عن دكتاتورية الجغرافية السياسية المحيطة به. فشل الوصول لتهدئة مع إسرائيل يعود لعدة أسباب، من بينها:

1.  تعارض مصالح الأطراف الوسيطة

شكل تعارض وتناقض مصالح الأطراف الوسيطة بين حركة حماس وإسرائيل وتداخل مصالحها وتناقض أدورها أحد أهم أسباب فشل الاتفاق، فالحركة فتحت أكثر من مسار للمفاوضات مع إسرائيل، منها المسار المصري الذي كانت تقوده المخابرات العامة المصرية، والذي كان يركز على الوصول لتهدئة تكون جزء من المصالحة، والمسار القطري الذي كان يركز على ابعاد قطاع غزة عن الحاضنة المصرية عبر البحث عن ممر مائي بين قطاع غزة وقبرص تحت الوصاية الإسرائيلية والدولية، ومسار أخر مع مندوب الأمم المتحدة الذي كان يشكل حلقة وصل بين المسارات الأخرى بعلم إدارة الرئيس دونالد ترامب.
لذلك يعتبر تناقض مصالح الأطراف الوسيطة واكتشاف القاهرة القناة القطرية التي سعت إلى إيجاد ممر مائي يربط ما بين غزة وقبرص، هذا الأمر أدى لتغير الموقف المصري بشكل كلي من الاتفاق، مما ساهم في تبدل الموقف المصري بتقديم مسار المصالحة عن مسار التهدئة ما شكل نهاية للمسار التهدئة بين حركة حماس وإسرائيل.

2.  معارضة السلطة الفلسطينية

شكلت معارضة السلطة الفلسطينية والرئيس عباس لاتفاق التهدئة بين حماس وإسرائيل أحد أهم أسباب فشل الاتفاق، فالسلطة اعتبرت أن الاتفاق سيعزز حالة فصل غزة عن الضفة الغربية، ويساهم في تكريس الانقسام، ويمهد لتمرير صفقة القرن، خاصة أن الاتفاق يترافق مع مساعي إدارة ترامب لتصفية القضية الفلسطينية عبر صفقة القرن التي ترتكز على وجود دولة فلسطينية في قطاع غزة، بجانب أن الاتفاق يحمل أبعاد سياسية بعيدًا عن منظمة التحرير الفلسطينية وليس مجرد اتفاق أمني.
فقد كشفت مصادر مطلعة لـجريدة الحياة اللندنية، أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس أوقف اتفاق التهدئة بين حماس وإسرائيل، بعدما هدد الأطراف المشاركة فيه بوقف التحويلات المالية إلى قطاع غزة في اليوم التالي للاتفاق، وتحميل هذه الجهات المسؤولية عن انفصال القطاع عن بقية الأراضي الفلسطينية. وأفادت المصادر بأن أي دولة في العالم لم تبدِ استعداداً لتوفير تمويل بديل عن التمويل الذي تقدّمه السلطة لقطاع غزة. وأبلغت مصر السلطة الفلسطينية، رسمياً، بأنها لن تتفاوض على هدنة بين حماس وإسرائيل من دون موافقة الرئيس محمود عباس، وأنها أعطت الأولوية الأولى لملف المصالحة.
وأبلغت السلطة الفلسطينية دولة قبرص والأمم المتحدة بأن أي اتفاقات تخص أي جزء من الأراضي الفلسطينية وأي جهة أخرى، يجب أن تكون بين حكومة دولة فلسطين المعترف بها من قبل الأمم المتحدة وتلك الجهات. وكانت دولة عربية توصلت إلى مسودة اتفاق تهدئة بين حماس وإسرائيل ينص على رفع تدريجي للحصار عن قطاع غزة، وإنشاء ممر بحري بين غزة وقبرص. وقال عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الدكتور "أحمد مجدلاني": "نحن لم نكن قلقين من موقف مصر، لأننا نعرف أنها لن تقبل بإقامة كيان للإخوان المسلمين على حدودها، وقال إن القلق الفلسطيني كان من الدور الذي لعبه مبعوث الأمم المتحدة ومن إحدى الدول العربية التي أجرت مفاوضات سرية بين حماس وإسرائيل، وتوصلت معها إلى تفاهمات تؤدي في النهاية إلى فصل قطاع غزة عن بقية الأراضي الفلسطينية.
كما عارضت مصر أيضاً إقامة الممر المائي وأبلغت قبرص بموقفها من ذلك. ويعزو مسؤولون فلسطينيون موقف مصر إلى أن مثل هذا الممر يؤدي إلى إقامة كيان خاص في غزة له طرق خارجية، من دون المرور عبر مصر التي تستخدم هذه الحاجة للضغط على حماس الحاكمة للقطاع. وقالت المصادر إن عباس أبلغ جهات عربية ودولية كانت تتفاوض مع الجانب الإسرائيلي، نيابة عن حماس، بأنه لن يسمح بحدوث اتفاق يخص جزءاً من الأراضي الفلسطينية بين أي فصيل سياسي وإسرائيل، وأنه سيتخذ إجراءات لم يتخذها من قبل لمنع ذلك.
معارضة السلطة والرئيس عباس للاتفاق والهجوم السياسي والإعلامي على الاتفاق والأطراف الوسيطة بين حركة حماس وإسرائيل ساهم في إفشال الاتفاق كما قال الوزير حسين الشيخ.

3.  الخلافات الداخلية الإسرائيلية

ساهمت الخلافات الداخلية الإسرائيلية سواء داخل الحكومة الإسرائيلية أو خارجها في إفشال الاتفاق، خاصة أن الاتفاق تحول لمادة دسمة في وسائل الإعلام الإسرائيلية، ومصدر للنكاف السياسي بين قادة أحزاب اليمين الإسرائيلي، فإسرائيل مقبلة على فترة انتخابات وبالتالي كل الأحزاب تحاول زيادة شعبيتها عبر الهجوم السياسي على الأحزاب الأخرى مستخدمة اتفاق التهدئة مع حماس عنوان للهجوم السياسي على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيمين نتنياهو ووزير الدفاع أفيغدور ليبرمان.
وقالت صحيفة (القدس) المحلية، إنه في الوقت الذي تضغط فيه حركة حماس على الأطراف المختلفة من أجل تسريع التوصل لاتفاق التهدئة، فإن إسرائيل هي الجهة التي تقف خلف تعثر جهود التهدئة وعرقلتها. وأوضحت الصحيفة، نقلاً عن مصادر لم تسمها، أن إسرائيل ترفض أي تقدم في ملف التهدئة، دون إنهاء قضية الجنود الإسرائيليين الأسرى لدى حماس، مشيرةً إلى أن هذه القضية هي الأولوية بالنسبة للحكومة الإسرائيلية في الوقت الحالي. وأضافت الصحيفة، وفق مصادرها، أن إسرائيل عادت وطرحت قضية وقف بناء حماس للأنفاق، والعمل على ضمان وقف عمليات تهريب أي أسلحة خطيرة إلى غزة. وأشارت المصادر، وفق الصحيفة، إلى أن مصر تضغط على إسرائيل من أجل عدم ربط قضية الجنود الأسرى لدى حماس بقضية تثبيت وقف إطلاق النار، ورفع الحصار عن غزة، منعاً لانفجار الأوضاع في القطاع، نتيجة الظروف الإنسانية. وبينت الصحيفة، وفق مصادرها، فإن إسرائيل جندت وسائل إعلامها لإظهار أن السلطة الفلسطينية هي الجهة الوحيدة التي تقف خلف تعثر جهود التهدئة، بسبب شروطها للانضمام إليها، وذلك لتعميق الخلافات الفلسطينية الداخلية حول هذه القضية وغيرها من القضايا، واستغلال ذلك لإبقاء حالة الهدوء على الحدود مع غزة التي شهدت استقراراً في الأسابيع الأخيرة. وتابعت الصحيفة: "يتوقع أن تلجأ حماس للتصعيد الميداني على الحدود خلال الأيام المقبلة، في ظل تعثر هذه الجهود للضغط ميدانياً وسياسياً على كافة الأطراف".
فقد شهدت الأيام الماضية مواقف سياسية في الساحة الإسرائيلية بدا كما لو أنها تنحو منحى اليمين في التعامل مع صيغة التهدئة التي قطعت شوطا طويلا مع حماس، بين مشترط لأن تشمل تبادل الأسرى، ورافض لإعطاء حماس جائزة في منحها استراحة محارب لعدة سنوات، ومتحفظ على تجاوز دور السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، ومتريث بانتظار ما قد تشهده أروقة الأمم المتحدة من انعقاد قمة فلسطينية أمريكية، ما زال الحديث بشأنها تشوبه كثير من الضبابية. الحاصل فعليًّا أن إسرائيل بعد أن كسبت من الفلسطينيين، قضاء الإجازة الصيفية لمستوطنيها، دون مواجهات أو حروب، لن تألو جهدا في شراء مزيد من الوقت معهم.
4.   معارضة الفصائل الفلسطينية

شكل موقف الفصائل الفلسطينية خاصة فصائل اليسار الفلسطينية وحركة فتح سدًا ميعنا أمام تمر الاتفاق، فقد أعلنت كل فصائل منظمة التحرير الفلسطينية معارضتها للاتفاق، واعتبرت الاتفاق خطأ استراتيجي، مما وضع تحديات كبيرة أمام استمرار مفاوضات التهدئة، فقد أعلنت الجبهة الشعبية والديمقراطية وحزب الشعب والقيادة العامة رفضها عقد حركة حماس اتفاق تهدئة مع إسرائيل بشكل منفرد، وربطوا هذا الأمر في إطار المصالحة الفلسطينية أولاً.
ثانياً: خيارات حركة حماس المستقبلية
قالت صحيفة الحياة اللندنية: إن تعطيل ملفي المصالحة الفلسطينية، والتهدئة مع الاحتلال الإسرائيلي، وضع حركة حماس في الزاوية، وجعلها أمام خيارات صعبة، بل ربما تكون مستحيلة. وأوضحت الصحيفة، نقلاً عن مصادر فلسطينية وصفتها بالمطلعة، أن حركة حماس، شرعت أخيراً في عقد اجتماعات مع الفصائل لاستمزاج رأيها في أفضل السبل والخيارات لمواجهة الأزمة الراهنة. وأضافت أن الحركة توافقت مع عدد من الفصائل، وأهمها حركة الجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، على أن الخيار الأفضل لكسر الحصار على القطاع هو استمرار الضغط على كل الأطراف، وفي مقدمها إسرائيل التي تفرض حصاراً محكماً على القطاع منذ أكثر من 12 سنة.
فشل خيار التهدئة مع إسرائيل نتيجة للأسباب السابقة يضح حركة حماس أمام تحديات مصيرية، فالحركة بنت آمال كبيرة على هذا الاتفاق كمخرج لازمة حكمها في غزة، مما يعني أن فشل هذا المسار يبقى الحركة أمام خيارات محدودة تتمثل في الخيارات التالية:

• خيار التصعيد مع إسرائيل

التصعيد مع إسرائيل أحد الخيارات والاحتمالات المتاحة أمام حركة حماس بهدف دفع الأطراف مرة أخرى للتدخل وفتح مسار مفاوضات التهدئة مرة أخرى، فالحركة قد لجئت لهذا الخيار منذ شهور لتحقيق هذا الهدف، والعودة لخيار التصعيد المدروس والمنضبط مع إسرائيل على حدود غزة قد يكون أهم أدوات الحركة خلال الفترة القادمة.
لذا تتجه حركة حماس إلى "تصعيد شعبي كبير" مع إسرائيل عبر إعطاء مسيرات العودة على حدود قطاع غزة زخماً أكبر، بما في ذلك إمكان استئناف إرسال الطائرات الورقية الحارقة باتجاه الأراضي الخاضعة لسيطرة إسرائيل. هذا التحرك المرتقب من حماس هدفه إعادة لفت النظر إلى الوضع العام السيئ في قطاع غزة، بعد فشل مباحثات التهدئة، كما أنه يمثّل رسالة احتجاج قوية على وقف تلك المباحثات. حركة حماس، الغاضبة من وقف هذه المباحثات بعد تهديدات أطلقها الرئيس الفلسطيني محمود عباس، فالحركة ترفض استنزافها بهذه الطريقة. قيادة حماس تؤمن بأن الوسطاء سيتحركون مجدداً إذا كانت إسرائيل تحت ضغط. فالتحركات السابقة للأطراف الدولية والإقليمية جاءت على وقع التصعيد وستعود كذلك بالطريقة نفسها.
لكن رغم أن التصعيد خيار محتمل لدى حركة حماس، الذي بدأت به بالفعل، لكنه خيار يحتمل الكثير من المخاطر، لأن التصعيد مع إسرائيل عبر مسيرات العودة البالونات الحارقة قد يقود لجولة تصعيد أو حرب شاملة مع الجيش الإسرائيلي في ظل تردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية ما يجعل هذا الخيار ذات مخاطر استراتيجية. إضافة لذلك فتح مواجهة عسكرية جديدة مع إسرائيل في ظل الأزمة التي تعاني منها الأونروا يعني أن الوكالة لن تكون قادرة على فتح مدراسها أو تقديم خدمات للسكان النازحين من المعارك، ما يعني تفجر أزمة إنسانية جديدة، إضافة الى مواقف إدارة ترامب السلبية من حركة حماس والمقاومة الفلسطينية ما قد يسمح للجيش الإسرائيلي بارتكاب مجازر بحق الشعب الفلسطيني، نهيك أن الدمار الذي سوف ينتج عن هذه الحرب لن يجد من يعيد إعماره، كما حدث خلال الحروب السابقة، فالعالم لم يعد قادرة على تسديد فاتورة الحرب كل 4 سنوات.
قد يكون التصعيد أحد الخيارات الممكنة والمتاحة لدى حركة حماس لكنه ليس الخيار القادر على تغير الأوضاع المتردية في قطاع، لان إسرائيل لن تعطي طوق النجاة لحركة حماس.

• خيار المصالحة الفلسطينية

العودة إلى مسار المصالحة الفلسطينية، والتفاهم مع حركة فتح والسلطة الفلسطينية أحد الخيارات المطروحة أمام حركة حماس للخروج من المأزق، صحيح أن المصالحة ليست خيار ذو أولوية لدى الحركة نظرا للمتطلبات التي تحتم على الحركة الالتزام بها في ملف المصالحة كالتخلي عن حكم غزة والقبول بشروط الرئيس عباس لكنه يبقى خيار قائم ومحتمل في أي وقت.
حركة حماس قد تذهب لهذا الخيار، لامتصاص الغضب المصري من جانب وتنفيس حالة الاحتقان الداخلي من جانب آخر، وإعطاء نفسها فرصة لتقييم الأوضاع مرة أخرى، كما حدث نهاية عام 2017، فالحركة قد تذهب لهذا الخيار تحت ضغوط الواقع وانسداد أفق التهدئة للهروب من واقع المسؤولية التي تتحملها في القطاع.
عودة حركة حماس للمسار المصالحة في ظل التحديات الكبيرة التي تعرض هذا المسار ليست بالأمر السهل، فثمة تحديات كثيرة أمام طريق المصالحة منها ما يتعلق بموضوع الموظفين، وشروط الرئيس عباس، وعدم تخلي الحركة وعناصرها عن فكرة حكم غزة، فالقطاع في نظر أبناء الحركة هو الوطن الذي يجب ألا تتخلى عنه الحركة.
صحيح أن المصالحة هو الخيار الأكثر كلفة لدى الحركة كما قال الدكتور فايز أبو شمالة لكنه الأسلم والأكثر قدرة على تغيير الأوضاع المتردية في قطاع غزة، فرغم أن هذا الخيار ليس محبب لدى الحركة، لكنه الطريق الوحيد القادر على إخراج الحركة والمجتمع من المأزق الحالي، فهل تختاره الحركة؟
خيار المراوحة في نفس المكان
 تدرك حركة حماس صعوبة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في قطاع غزة، وتدرك مخاطر الذهاب بعيدًا في خيار التصعيد مع الاحتلال الإسرائيلي، وتدرك أيضاً صعوبة التزام الحركة بمتطلبات المصالحة الفلسطينية، خاصة أن الحركة تقف في موقف الضعيف، بعد ما أفشل الرئيس عباس جهود الحركة في عقد اتفاق تهدئة مع إسرائيل، لذلك سوف تحاول الحركة المراوحة في المكان، مع تصعيد محدود مع الاحتلال الإسرائيلي عبر مسيرات العودة والبالونات الحارقة والطائرات الورقة لإعادة فتح ملف مفاوضات التهدئة بدون الذهاب بعيدًا في مسار التصعيد أو مسار المصالحة.
البقاء في المنطقة الرمادية وانتظار تطورات الوضع الدولي والإقليمي، هو الخيار الأكثر احتمالية لدى حركة حماس، وهو ما يؤكده الدكتور عدنان أبو عامر، عندما يقول" "أدرك أن الخيارات صعبة، وصعبة جدا، وربما تسعى غزة في قادم الأيام لمحاولة المفاضلة ليس بين الخير والشر، ولكن بين خير الخيرين وشر الشرين، وإن كانت البدائل القاسية والمكلفة تلوح في الأفق، لكن المقاومة مدعوة بكثير من رباطة الجأش إلى عدم الذهاب بعيدا في هذه البدائل، لاعتبارات كثيرة، أهمها أننا قد جربناها سابقا، ولم تأتِ لنا بحلول سحرية".
لذا من المحتمل أن تظل تناور حركة حماس بمسيرات العودة من جانب، والاستمرار في جهود المصالحة برعاية مصرية بدون إحداث انفراجه في هذا المسار من جانب أخر، لحين اتضاح الرؤية أمام الحركة، فالحركة دائما ما راهنت على عامل الوقت لإحداث انفراجه؛ لكن هل واقع القطاع الإنساني والاقتصادي والاجتماعي يحتمل مزيد من سياسة شراء الوقت؟
خلاصة القول تواجه حركة حماس في قطاع غزة العديد من التحديات بعد فشل مفاوضات التهدئة مع إسرائيل، خاصة في ظل انهيار الوضع الاقتصادي وتفاقم الأزمة الإنسانية، ما يجعل خيارات الحركة محدودة وصعبة، فهي إما أن تذهب باتجاه التصعيد مع إسرائيل لدفع الأطراف الدولية والإقليمية لإعادة فتح مفاوضات التهدئة مرة أخرى، أو أن تذهب باتجاه العودة إلى مسار المصالحة الفلسطينية مرة أخرى لامتصاص الغضب المصري وتنفيس حالة الاحتقان الداخلي، أو البقاء في المنطقة الرمادية بين التصعيد والمصالحة لحين اتضاح الموقف الأمريكي من الحل، للحفاظ على حكمها في غزة من جانب وعدم دفع اثمان كبيرة سواء في مسار التصعيد أو المصالحة من جانب أخر، ما يعني استمرار الوضع الراهن لعدة شهور قادمة، لحين الانتهاء من انتخابات النصفية الأمريكية والكنسيت الإسرائيلي، فالواضح أننا لن نشهد تهدئةً أو مصالحةً أو حرباً خلال الشهور القادمة، رغم أن كافة الاحتمالات تظل قائمة.

التعليقات